أسعار الخام في حالة ترقب: اختراق صعودي أم انهيار سعري؟
بعد تسجيل أعلى مكاسب شهرية على الإطلاق في مارس، أنهت أسعار الخام الربع الأول من العام وقد تضاعفت قيمتها تقريباً. كما شهد شهر مارس أضخم قفزة يومية سُجلت في تاريخ أسعار النفط، متجاوزةً بذلك الأرقام القياسية المسجلة خلال أزمة حظر النفط عام 1973، وحربي العراق. ومع ذلك، يبدو أن الأسواق والخبراء الاقتصاديين لا يزالون يترقبون هدوء الأوضاع في وقت قريب.
وقد يمثل يوم الثلاثاء الاختبار الحاسم لهذا التفاؤل، خاصة بعد أن وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنذاراً نهائياً جديداً لإيران؛ حيث هدد بقصف البنية التحتية للطاقة والجسور في البلاد ما لم توافق طهران على فتح مضيق هرمز بحلول الساعة الثانية صباحاً بتوقيت وسط أوروبا (08:00 صباحاً بتوقيت جرينتش). وفي ظل تذبذب خام برنت فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، وتداول خام غرب تكساس الوسيط عند مستويات أعلى، يبدو أن السوق في حالة من التخبط وعدم اليقين قبل حلول الموعد النهائي، مما ينذر بموجة من التقلبات العنيفة القادمة.
هل يتكرر سيناريو “صفقة التهديدات”؟
هذه هي المرة الثالثة التي يوجه فيها ترامب إنذاراً مماثلاً خلال الأسبوعين الماضيين. في المرة الأولى، منح مهلة 10 أيام مما دفع الأسواق لرفع أسعار الخام وسط مخاوف من التصعيد. أما هذه المرة، فيبدو أن الأسواق بدأت تتعامل مع الأمر كجزء من مناورات التفاوض المعتادة، خاصة وأن أسعار النفط لم تشهد قفزات جنونية، كما سجلت أسواق الأسهم ارتفاعات طفيفة.
وبالتوازي مع تهديدات ترامب، أفادت تقارير بأن وسطاء يعملون على بلورة اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران؛ حيث طُرح مقترح بهدنة لمدة 45 يوماً، وهو ما قد يعني عملياً نهاية الحرب، إذ ستعتبر الأسواق أن استئناف الأعمال العدائية بعد توقف طويل كهذا هو أمر مستبعد جداً. ومن المعتاد أن يطلق ترامب تهديدات شديدة اللهجة في المراحل الأخيرة من المفاوضات لانتزاع تنازلات اللحظة الأخيرة، وهو الاحتمال الأرجح حالياً، ما يفسر حالة الهدوء النسبي في السوق قبل ساعات من انتهاء المهلة.
كيف سيكون رد فعل السوق؟
ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة؛ الأول هو استسلام إيران وفتح مضيق هرمز، وحتى لو لم ينهِ ذلك الحرب فوراً، فإن تركيز السوق ينصب على إمدادات النفط وليس الصراع بحد ذاته. في هذه الحالة، قد تهبط أسعار الخام بشكل حاد، وإن كان المتداولون قد يحتاجون لبعض الوقت للتأكد من صمود الاتفاق، مما قد يجعل الأسعار تأخذ اتجاهاً نزولياً تدريجياً. بل قد يتدنى السعر إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب نظراً لتراكم المخزونات الكبيرة وانخفاض الطلب.
الخيار الثاني هو أن يمدد دونالد ترامب المهلة للمرة الرابعة، وهو السيناريو الأقل تأثيراً على السوق لأنه يبقي على الوضع الراهن. ومع ذلك، وبما أن الأسعار ارتفعت قبيل الموعد النهائي، فقد تتراجع لتعود إلى مستوياتها المعتادة في زمن الحرب، أي قرب 100 دولار لبرميل برنت. وقد تمر المهلة أيضاً دون أي تعليق من البيت الأبيض، مما سيؤدي إلى نتيجة مماثلة.
تفاعل الأسواق مع حالة الضبابية
إذا نفذ دونالد ترامب تهديده، فقد تقفز أسعار النفط، لكن استمرار هذا الارتفاع سيعتمد بشكل أساسي على رد الفعل الإيراني. وتكمن المخاوف في تنفيذ إيران لتهديداتها بالانتقام من دول الخليج الأخرى وتدمير بنيتها التحتية النفطية، وهو ما قد يستغرق شهوراً أو سنوات لإصلاحه. غير أن مسؤولين أمريكيين يؤكدون أن قدرات إيران العسكرية قد تدهورت بشدة، مما قد يمنعها من شن هجوم مؤثر. وسواء اختارت إيران ضبط النفس أو عجزت عن مهاجمة جيرانها، فإن الأسعار قد تتراجع بمجرد أن تتيقن الأسواق من زوال المخاطر الكبرى للحرب.
ومن أبرز المؤشرات على تأثر الأسواق بحالة عدم اليقين هو تفوق سعر خام برنت الفوري على خام غرب تكساس الوسيط؛ فالمصافي تفضل الشراء من مصادر الولايات المتحدة وبحر الشمال لكونها أكثر موثوقية وأقل عرضة لظروف “القوة القاهرة”. ويمثل فارق السعر هذا “علاوة مخاطرة” يبدي المشترون استعداداً لتدفعها مقابل تجنب الضبابية المحيطة بالصراع.


