بيانات الناتج المحلي الإجمالي البريطاني: بين إنعاش الميزانية أو كسرها
بعد أسابيع من الاضطرابات السياسية في المملكة المتحدة، بات بإمكان المتعاملين في الأسواق التركيز على البيانات الاقتصادية الفعلية. إذ يُعد صدور بيانات الناتج المحلي الإجمالي البريطاني الشهري يوم الجمعة نقطة حاسمة لتحديد اتجاه الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي على المدى المتوسط. كل الأنظار تتجه إلى الميزانية الخريفية المزمع إعلانها في نهاية نوفمبر، إلا أن أداء الاقتصاد البريطاني حتى ذلك الحين قد يحدد الإجراءات التي ستتخذها الحكومة لتعزيز أوضاعها المالية.
العنصر الأهم للأسواق هو ما إذا كانت المستشارة راشيل ريفز ستتمكن من جمع ما يكفي من الإيرادات لتلبية الطلب المتزايد على الإنفاق الحكومي. فإذا لم تتمكن، قد تُجبر على التراجع عن وعدها بعدم زيادة الضرائب، أو قد تضطر للاستقالة لتجنب كسر وعدها. وكلا السيناريوهين سيكون له تأثير سلبي ملحوظ على الأسواق، مع احتمال تراجع الجنيه الإسترليني. وحتى موعد إعلان الميزانية، ستؤثر احتمالات نجاح ريفز في تحقيق أهداف الإنفاق على حركة الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي بشكل كبير.
صمود بريطانيا المفاجئ
لطالما توقع الاقتصاديون تباطؤ النشاط الاقتصادي في المملكة المتحدة، لكن البيانات كانت تخالف هذه التوقعات مراراً. فقد جاءت أرقام الناتج المحلي الإجمالي للربعين الأول والثاني أعلى من التوقعات، ما يعني زيادة في تحصيل الضرائب لصالح الحكومة البريطانية وساهم في تعزيز المالية العامة.
مرة أخرى، يتوقع الاقتصاديون تباطؤ الاقتصاد البريطاني، لكن قد يكررون نفس الخطأ. فالتوقعات المتشائمة للمالية العامة للمملكة المتحدة تستند إلى افتراضات بضعف الأداء الاقتصادي خلال النصف الثاني من العام. وإذا تمكن الاقتصاد من تحقيق نمو رغم هذه التوقعات، فقد يكون ذلك كافياً لتمكين ريفز من تقديم ميزانية تحظى بقبول الأسواق.
أسباب التوقعات السلبية
عادة ما تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة والضرائب العالية إلى إبطاء الاقتصاد. وهذا هو أساس العديد من التوقعات بأن المملكة المتحدة ستسجل أداءً ضعيفاً. ويضاف إلى ذلك الآثار المستمرة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي يرى كثير من الاقتصاديين أنها أضعفت الاقتصاد البريطاني مقارنة ببقية أوروبا. إضافة إلى ذلك، وعلى خلاف القارة الأوروبية، لا تخطط الحكومة البريطانية لزيادة الحوافز والإنفاق المالي بالقدر نفسه نظراً للقيود على الميزانية.
السبب الرئيسي وراء تفوق الناتج المحلي الإجمالي البريطاني على التوقعات يتمثل في أمر ظل يزعج البنك المركزي الأوروبي: ارتفاع الأجور وصلابة إنفاق المستهلكين. إذ تتجاوز مبيعات التجزئة التوقعات بشكل متكرر، ما يعزز أرقام الناتج المحلي الإجمالي. كما أن الأجور في المملكة المتحدة تفوقت على معدلات التضخم المرتفعة، ما يعني زيادة الدخل الحقيقي المتاح. ويُعد سوق العمل الضيق، الذي يتيح للموظفين البحث عن أجور أفضل، السبب الرئيسي وراء ارتفاع الأجور وبالتالي الأداء الأفضل للاقتصاد. لكن أي تراجع مستمر في سوق العمل البريطاني قد يعني بداية انحسار التفوق في أرقام الناتج المحلي الإجمالي.
ما الذي يجب مراقبته
من المتوقع أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي البريطاني لشهر يوليو إلى 0.0% من 0.4% في الشهر السابق، ما سيهبط بمتوسط الثلاثة أشهر المتحرك إلى 0.2%. كما من المنتظر أن يستقر الإنتاج الصناعي عند 0% مقارنة بنمو قدره 0.7% في يونيو.
تحقيق نتائج أفضل من التوقعات سيمنح دفعة للمالية العامة البريطانية ويدعم الجنيه الإسترليني. أما إذا أظهر الاقتصاد علامات ضعف، فقد يتعرض الجنيه لضغوط، مع زيادة قلق الأسواق بشأن الميزانية، وارتفاع عوائد السندات الحكومية البريطانية، وزيادة تدفقات رأس المال إلى الخارج.


