مكتبة التداول
EUR
$1.06
(-0.38%)
GBP
$1.25
(-0.75%)
AUD
$0.70
(-0.65%)
JPY
$0.01
(-1.06%)
TRY
$0.06
(-0.8%)
INR
$0.01
(-0.18%)
SGD
$0.72
(-0.41%)
MYR
$0.23
(+0.13%)
JOD
$1.41
(0%)
KWD
$3.26
(-0.09%)
SAR
$0.27
(0%)
AED
$0.27
(0%)
QAR
$0.27
(0%)
OMR
$2.60
(0%)
EGP
$0.05
(+0.11%)

هل يعاقب الغرب روسيا، أم يعاقب نفسه؟ (الجزء الثالث والأخير)

0 1,522

كتبنا في الجزء الأول عن أداة النفط والغاز الطبيعي وسيناريو أن يشمل الغرب قطاع الطاقة في العقوبات، أو أن تسبقهم روسيا لذلك. بالأمس وصل سعر خام برنت ليتجاوز ١١٣ دولاراً للبرميل، وتجاوز خام غرب تكساس الوسيط ١١٠ دولاراً للبرميل، فيما سجل الغاز الأوروبي ارتفاعاً خلال هذا الأسبوع وصل لـ ٦٠٪ ليصل بذلك لأعلى مستوياته نتيجة المخاوف المتعلقة بأزمة إضرابات سلاسل الإمدادات في ظل ما يحصل الآن.

وقد بدأت أزمة ارتفاع أسعار الطاقة منذ ظهور الجائحة، نتيجة إضرابات سلاسل الإمدادات التي أدت لشح المعروض. ولا ننسى حين تخطت الأسعار ١٤٣ دولاراً في يوليو من عام ٢٠٠٨، بسبب الأزمة المالية العالمية، ووصلت في عام ٢٠١٤ إلى ١١٢ دولار. وفي وضع كالموقف الراهن بات من الجلي والمؤكد أن الأسعار ستزداد أكثر وأكثر وقد تتخطى ١٥٠ دولاراً للبرميل حال شملت العقوبات قطاع الطاقة.

فاعتماد أوروبا على ما نسبته ٤٠٪ تقريباً من حاجتها من الغاز على روسيا، واستيرادها ٢.٣ مليون برميل من النفط الروسي، وضعها في موقف لا تحسد عليه. وإن شملت العقوبات المفروضة على روسيا قطاع الطاقة، فإنه سيكون بمثابة خنجر في خاصرة أوروبا قبل روسيا. حتى أن الولايات المتحدة نفسها لن تنجوا من الآثار السلبية لمثل هذا القرار، إذ انها تستورد ٦٠٠ ألف برميل يومياً من الخام الروسي ومشتقات كالديزل.

نسبة واردت النفط قياسا لإجمالي الناتج المحلي للدول الناشئة

 

وما حاولت الولايات الأمريكية فعله بالأمس، حين أعلنت الافراج عن ٦٠ مليون برميل من الاحتياطي بالاتفاق مع ٣٠ دولة، تتحمل هي وحدها ٣٠ مليون برميل منها، ما هو إلا مسكّن لن تتعدى فعاليته أكثر من يومين إلى ثلاث أيام بناءً على استهلاكها للنفط. أيضاً وبالرغم أن روسيا خفضت من سعر خام يورال الخفيف والمرغوب بشدة بنسبة ١٨٪ وهو ما لم يحدث منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أنه لم يتم تلقي طلبات شراء لاستحالة إيجاد طريقة دفع أو خطورتها، أو إمكانية تعارضها مع العقوبات.

الخناق يضيق على أوروبا وأمريكا كما يضيق على روسيا، مع انسحاب شركات كـ “إكسون موبيل” الأمريكية التي لديها ثلاث آبار في حقل سخاليل في روسيا، وشركة “بريتش بيتروليوم” البريطانية التي تحاول بيع حصتها في شركة “روس نفط” الروسية، وشركة “إني” الايطالية، و”توتال” الفرنسية، نتيجة الضغوط المفروضة عليهم لعدم التعامل مع روسيا. كل هذا سيترك أثره على كل الاقتصادات الروسية والأوروبية والأمريكية.

عول الغرب والولايات المتحدة آماله على اجتماع منظمة “أوبك+”، ولكن الاجتماع انتهى إلى تثبيت سياسة الإنتاج كما كان متفق عليها قبل الأحداث الحالية بواقع ٤٠٠ ألف برميل يومياً، وبذلك يكون اجتماع “أوبك +” قد جاء بما لا تشتهي الولايات المتحدة وحليفتها الحالية أوروبا.

فقد وقعت الدول الأوروبية ومعهم أمريكا في مأزق حقيقي، ولن يساعد الإفراج عن الاحتياطي في وضع حل يطول أمده ويزيد الضغط على روسيا التي يبدو إنها قد فكرت ملياً واتخذت تدابير تواجه بها العقوبات التي ستلحق بها جراء إقدامها على غزو أوكرانيا. لذا لم يعد أمام الغرب سوى البحث عن عقوبات جديدة لم تضعها روسيا في الحسبان، أو المراهنة على سياسة النفس الطويل التي بلا شك ستنال من روسيا.

ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على معدلات التضخم في الولايات المتحدة

الهجمات السيبرانية

بالعودة للنقطة التي توقفنا عندها بالجزء الثاني من المقال بالأمس حول إمكانية استعانة روسيا بالعملات الرقمية المشفرة للإفلات من العقوبات التي طالت البنوك الروسية، ذكرنا أن من مخاطر هذه الخطوة هي احتمالية استخدام الهجمات السيبرانية من قبل أمريكا وأوروبا لمنع روسيا من استخدام هذه الأداة.

فما هو الأمن السيبراني، وما هي الهجمات السيبرانية؟

الأمن السيبراني يتلخص في كونه عملية حماية الأنظمة والشبكات والبرامج ضد أي هجمات الكترونية. والهجمات السيبرانية عادة ما تهدف إلى الوصول إلى المعلومات الحساسة لتغييرها أو حتى تدميرها للاستيلاء على المال من المستخدمين أو مقاطعة عمليات الأعمال العادية.

للهجمات السيبرانية تأثير في الحروب الفعلية الحاصلة على الأرض، فقبل يوم من الهجوم الروسي على أوكرانيا تلقت مواقع أوكرانية حكومية في العاصمة كييف وكذلك مقار الحكومة، والبرلمان، ووزارة الخارجية، ومؤسسات أخرى بالدولة هجمات سيبرانية أصابتها بالشلل. استخدمت فيه هجمات من نوع “DDos” “، إذ كثفت طلبات غير مشروعة على الخوادم جاءت من خلال تحميل البنية التحتية للخوادم بشكل كبير تسبب بتوقفها عن العمل. فضلاً عن أن المتخصصون عثروا على برنامج يسمى “Wiper” يمكنه ببساطة مسح الكثير من البيانات دون أن يتم ملاحظة ذلك. وهذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها أوكرانيا هجوم سيبراني من روسيا، ففي عام ٢٠١٧ تم الهجوم ببرنامج ” NptPetya” وكلف الاقتصاد الأوكراني خسائر فادحة.

في المقابل، مع أول أيام الهجوم الروسي على أوكرانيا، وتحديداً يوم ٢٦ فبراير، تمكن قراصنة ما يعرفوا باسم “Anonymous” من تنفيذ هجوم على روسيا تسبب بإغلاق العديد من المواقع الحكومية في روسيا، وكذلك تعرضت قناة روسيا اليوم المعروف انحيازها للكرملين لهجمات الكترونية.

كيف يمكن استخدام الهجمات السيبرانية من قبل طرفي الصراع؟

يمكن للهجمات السيبرانية أن تستخدم في محاولة للسيطرة على الأسلحة المدفعية، وهو ما حاولت روسيا القيام به على سلاح المدفعية الأوكراني. وإن كانت قد نجحت آنذاك، فقد كان بإمكانها الحصول على البيانات الجغرافية وبالتالي يمكنها قصف مواقع المدافع.

وقياساً على ذلك، فربما في حال لجأت روسيا للعملات الرقمية للإفلات من العقوبات التي وقعت على البنوك الروسية أن تذيقها الهجمات السيبرانية من نفس الكأس. فيمكن للهجمات السيبرانية أن تشكل عائقاً أمام روسيا لاستخدام هذه الأداة، خاصة إن لم تكن الإدارة في روسيا تلم جيداً بكل ما يتعلق بالعملات الرقمية وكيفية تأمين المنصات الخاصة بها والعمليات التي تتم عليها. مثلاً:

  • عبر شن هجمات مباغته للاستفادة من أي ضعف متواجد في البرمجيات لا يكون المطوّر على علم به.
  • مهاجمة البني التحتية الأساسية للعملات المشفرة، ويشمل ذلك الأجهزة.
  • تخريب آليات الأمن الأساسية التي تعتمد عليها البرمجيات.
  • هجوم “الإصبع الذهبي” الذي يهدف لتقويض الثقة بالعملة.

وما يميز الهجمات السيبرانية أنه يسهل على الدول التنصل من مسؤوليتها نحو هذه الهجمات. ببساطة الهجمات السيبرانية هي بالفعل جزء من الصراع الدائر الآن وتعيد للأذهان أجواء “الحرب الباردة” التي دارت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في منتصف الأربعينات حتى أوائل السبعينات.

البورصات العالمية ليست بمنأى عن الصراع

فالغزو الروسي لأوكرانيا قد قوض فرص انتعاش الاقتصاد العالمي الذي لم يشفى بعد من تبعيات جائحة كورونا. وكان وقع الغزو الروسي عنيفاً على الأسواق المالية، كما أن التوترات الجيوسياسية المتزايدة لن تستثني التضخم المتفاقم بالفعل وسلاسل التوريد من الآثار السلبية.

فالعقوبات الاقتصادية التي فرضت وتفرض كل يوم على روسيا من قبل الغرب ستؤثر بلا شك على ثقة رجال الأعمال التجاريين والسلع وحتى على المستهلكين. وستتراوح هذه التداعيات من (محدودة إلى خطيرة). خاصة إذا واصلت أسعار الطاقة تسجيل ارتفاعات، فسيكون مصير الاقتصاد هو الدخول في الركود من جديد، في غضون سنتين إلى ثلاث سنوات.

من المعلوم لمتابعي الشأن السياسي والاقتصادي أن الدول تحتاج إلى اقتراض مبالغ مالية كبيرة بهدف تمويل نفقاتها العامة، وهذا هو السبب وراء اصدار سندات دين يشتريها المستثمرين، ويتم تحديد سعر الفائدة وزمن التسديد ومدة القرض مسبقاً، والتي تسمى “السوق الأولية”. أما السوق التي يتم خلالها تبادل السندات بين المستثمرين فهي “السوق الثانوية”، وإعادة تمويل الدين تحدث حين تطلق الدول عمليات اقتراض جديدة لدفع الديون التي اقترب موعد سدادها. ونتيجة العقوبات التي فرضت على روسيا، لن يتمكن المستثمرون الأمريكيين من شراء سندات الدين الروسية الصادرة منذ بداية هذا الشهر، كما لن تتمكن روسيا من إعادة تمويل دينها لعدم مقدرتها الوصول للسوق المالية الأوروبية. ومنعت الدول إصدار سندات الحكومة الروسية، كما منعت تداولها في السوق الثانوية. لذا سيكون تدهور الأوضاع الجيوسياسية وطول أمد الصراع هو المتحكم في مدى استجابة أسواق المال والطاقة في الفترة المقبلة وتحركاتها.

حركة المؤشرات الرئيسية منذ بدء التحركات العسكرية

وكان لعنصر المفاجئة الذي أقدم عليه بوتين في الغزو تأثيراً سلبياً تسبب بتراجع الأسواق المالية العالمية بشكل حاد. وفي يوم الجمعة، عاودت أسواق الأسهم العالمية الانتعاش بعدما تبين أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تفكر برد عسكري علي روسيا.

ومنذ بداية الأسبوع تذبذبت البورصات في أمريكا، وأوروبا، وحتى في آسيا، لكن كانت البورصات الأوروبية الأكثر تأثراً كونها في قلب الحدث وفي نفس القارة، وربما مؤشر” فوتسي١٠٠” لن يكون التأثير عليه قوياً كمؤشرات “كاك ٤٠”، و”داكس”، و”ستوكس ٥٠”، كون أن بريطانيا لا تعتمد على الغاز الروسي بقدر الدول الاوروبية الأخرى، مما يجعلها أقل انكشافاً من البقية، فضلاً عن إنها لم تعد ضمن الاتحاد الأوروبي.

حالة عدم اليقين التي تكتنف المشهد الآن لا تصب في مصلحة البورصات العالمية. فبالنسبة للأسهم الأمريكية ورغم تراجع التوقعات بعدد النقاط التي قد يقدم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على رفعها في الفائدة هذا الشهر، إلا أن الأسواق لا تزال تحتسب ٦ مرات رفع للفائدة خلال هذا العام. كما أن التوقعات بتفاقم التضخم قد ارتفعت، وكل هذا سيزيد من معاناة الأسهم الأمريكية. ولو أن تأثرها لن يكون بنفس السوء الذي قد نشهده في الأسهم الأوروبية نتيجة انفصالها الجغرافي عن منطقة الاحتدام، فضلاً عن كونها منتجة للطاقة، على عكس أوروبا. أما عن البورصة الروسية، فحدث ولا حرج، فحتى اليوم لم تسمح روسيا بإعادة فتح البورصة لتأكدها أنه حال تم السماح بإعادة عمليات التداول، فهذا يعني انهيار تمام لها. وسيكون العامل الوحيد المساعد للأسهم هو انتهاء الصراع الحالي في أسرع وقت والتوصل لحل سلمي، وإلا فإنه مهما حاولت الأسهم تجاهل هذا الصراع فإنه سيعود ويلقي بظلاله على الأسهم وبشكل قوي.

حاولنا تغطية أكبر قدر من النقاط الاقتصادية التي قد يهتم بها المستثمرين، وسلطنا الضوء قدر المستطاع على العقوبات وتأثيرها على الاقتصاد الروسي والعالمي، والمدى الذي قد تصل له العقوبات، والأدوات التي قد تستخدمها روسيا لتجاوز هذه العقوبات أو تخفيف وطأتها على الأقل.

وفي النهاية تبقي لنا أن نجيب على السؤال الذي اخترناه كعنوان للمقال بأجزائه الثلاث، (هل يعاقب الغرب روسيا، أم يعاقب نفسه؟).

أعتقد أن العقوبات التي فرضها الغرب والتي دفعتهم روسيا نحو اتخاذها، قد وقعت على العالم أجمع وليس أحد الطرفين. حيث سيمتد أثرها من الشعب الأوكراني والروسي لبقية الشعوب وإن تفاوت التأثير. فالحلف الغربي والشرقي لن يستسلما حتى يثبت إنه له اليد العليا. للأسف لن يكون هناك رابح في هذه الصراع الذي قد يتحول إلى حرب واسعة النطاق إن لم يعود “بوتين” عن غزوه لأوكرانيا. وللأسف نظن أن “بوتين” قد لا يعود بالقوات العسكرية لروسيا قبل تحقيق أهدافه ويعود بأوكرانيا لما قبل ٢٠١٤، وإلا خسر كل شيء تماماً. وفي المقابل، لن يتراجع الغرب عن العقوبات ولن يسمح لبوتين بالانتصار، لتبٍقى أمريكا محتفظة بمكانتها العالمية، ولا تسمح للحلف الصيني الروسي أن يغير ميزان القوة أحادي القطب. وربما قد يدفع هذا الغرب للجوء إلى ما يتعدى العقوبات.

في هذ الحرب لا يوجد رابح، الكل سيخرج خاسراً، خاسراً سياسياً، واقتصادياً، وربما جغرافياً، لكن في مثل هذه الظروف الشعوب وحدها هي دوماً التي تدفع الثمن من أرواحها، واستقرارها، ويحملها الساسة في النهاية نتائج قراراتهم الغير مدروسة أو تعنتهم والتي تتحول لخسائر مادية، تلقي بأثرها على الأمن الغذائي، والتاريخ خير شاهد.

وفي كلمة “مارك لوكوك” وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية في جلسة مجلس الأمن التي تناولت العلاقة بين الصراع والجوع، ودور الأطراف المتنازعة في دفع عجلة انعدام الأمن الغذائي في عدد من النزاعات القائمة في عام ٢٠١٨، قال: “يعيش ثلثا الجياع في العالم في بلدان تعاني من النزاعات، ويعاني حوالي ٥٠٠ مليون شخص من سوء التغذية. كما أن ثمانين بالمئة من ١٥٥ مليون طفل يعانون من التقزم، يعيشون في بلدان تشهد نزاعات.”

لذا لا يسعني هنا سوى أن استذكر ما قاله “هربرت جورج ويلز”:

“إذا لم نقضي على الحرب، فإن الحرب ستقضي علينا”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.