تصدع مسار التعافي العالمي في ظل انقسام البنوك المركزية
شهد الربع الثاني انقلاباً في موازين القوى داخل أسواق الأسهم العالمية، حيث ولدت اتجاهات جديدة قلبت حسابات مطلع العام. فقد كانت أزمة الطاقة الناجمة عن صراع الشرق الأوسط هي الشعرة التي قصمت ظهر السياسات النقدية الموحدة؛ هذا التباين بين السياسات النقدية أو ما يُعرف بـ انقسام البنوك المركزية أصبح هو المحرك الأول لأسواق الصرف، وسيبقى المحور الذي تدور حوله الأسواق في المدى المنظور.
لقد ضربت تكاليف الطاقة المرتفعة الاقتصادات العالمية بجرعات متفاوتة؛ فبينما نجحت القارة الآسيوية في الالتفاف سريعاً وتدبير بدائل لإمدادات النفط، سقطت أوروبا في فخ التحديات المالية المعقدة. هذا التفوق في المناورة منح الأسواق الآسيوية وقبلها عملات السلع والأسواق الناشئة “قبلة الحياة”، بينما لا يزال اليورو والإسترليني يئنّان تحت وطأة الضغوط.
هل سحبت أسواق الأسهم البساط من البنوك المركزية؟
المتعارف عليه أن البنوك المركزية هي “المايسترو” الذي يحدد إيقاع العملات عبر أسعار الفائدة. لكن عندما تصبح تدفقات السيولة ضخمة وعابرة للحدود، تفرض الأسواق كلمتها، خاصة حينما تسقط البنوك في فخ “الركود التضخمي”؛ حيث تضطر لمواجهة عدوين في آن واحد: تراجع النمو واشتعال الأسعار.
في السيناريوهات الطبيعية، يرفع البنك المركزي الفائدة لتهدئة الاقتصاد المحموم، وهو ما يغري السيولة الأجنبية بالدخول ويدعم العملة. لكن المعادلة تتغير تماماً حينما يتباطأ النمو؛ فارتفاع التضخم ينهش أرباح الشركات ويجعل أسواق الأسهم طاردة للاستثمار.
هجرة السيولة: عندما تتحول الأسهم إلى عدو للعملة
إذا كان الركود ظاهرة عالمية، فقد يكتفي المستثمر بالأمان الذي توفره السندات المحلية. أما إذا كان هناك تفاوت في النمو بين الدول، فإن المستثمر لا يتردد في تسييل محفظته من الأسهم في بلده وبيع عملته المحلية ليشتري عملة دولة أخرى تملك سوقاً صاعداً.
هذا بالضبط ما حدث في 2025؛ فبالرغم من كل شيء، استمد اليورو قوته من هروب السيولة من الأسهم الأمريكية نحو البورصات الأوروبية. إنها لعبة “البحث عن العائد” التي تجعل العملة تابعة لحركة الصناديق الاستثمارية قبل قرارات البنوك.
فخ الفائدة.. لماذا لم يعد الرفع كافياً لدعم العملة؟
في بيئة “الركود التضخمي”، يصبح رفع الفائدة سلاحاً ذو حدين؛ فالبنك يرفعها لحماية العملة، لكنه بذلك يوجه رصاصة الرحمة لما تبقى من نمو اقتصادي ويحكم بالإعدام على سوق الأسهم. وهنا تحدث المفارقة: قد ترفع الدولة أسعار فائدتها ومع ذلك تنهار عملتها، لأن المستثمر يهرب ببحثاً عن اقتصاد ينمو، وليس مجرد فائدة ورقية.
قبل اشتعال فتيل الحرب في الشرق الأوسط، كان العالم يسير نحو التيسير النقدي. أما اليوم، ومع ازدهار الأمريكتين وآسيا مقابل غرق أوروبا في مستنقع تراجع النمو وتكاليف الطاقة، أصبح المنطق التقليدي معطلاً. لذا، سيبقى اليورو والإسترليني وحتى الفرنك السويسري في مهب الريح طالما بقيت فاتورة الطاقة تستنزف القدرات التنافسية لهذه القارة.


