هل يقلب بنك اليابان الطاولة على الأسواق في اجتماع الجمعة؟
يدخل الين الياباني مرحلة من الترقب الحذر مع اقتراب موعد اجتماع بنك اليابان يوم الجمعة. وسط تباين في توقعات الأسواق حول توجهات السياسة النقدية القادمة. وفي حين تُجمع التوقعات بين المحللين والاقتصاديين على ميل البنك المركزي نحو الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير مع تبني نبرة متشددة لدعم العملة المحلية. إلا أن فئة من المراقبين لا تستبعد حدوث مفاجأة برفع الفائدة كإجراء استباقي لتهدئة اضطرابات السوق.
تتداخل عدة عوامل في رسم المشهد الحالي للين، لكن المعضلة الأبرز تتمثل في التشابه المثير للقلق بين وضع رئيسة الوزراء الجديدة، “ساناي تاكايتشي”، وتجربة “ليز تراس” السابقة في بريطانيا. فمنذ توليها السلطة، أطلقت “تاكايتشي” حزم تدابير مالية لم تنجح في تبديد مخاوف المستثمرين. مما دفع حاملي السندات للتخلص من الديون السيادية اليابانية. وهو ما انعكس في قفزة قياسية لعوائد السندات طويلة الأجل، واضعاً بنك اليابان تحت ضغط التدخل الفوري.
الانتخابات والأزمة المالية
أعلنت “تاكايتشي” يوم الاثنين عن انتخابات مبكرة في الثامن من فبراير. ورغم أن الانتخابات ليست سبباً مباشراً لانهيار الأسواق، إلا أن توقيتها يتزامن مع وضع مالي حساس؛. حيث تتصدر اليابان قائمة أعلى نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عالمياً. فبينما كان التضخم فوق المستهدف والفائدة قرب الصفر يوفران نوعاً من الاستقرار المالي، إلا أن “الوعود الانتخابية” قلبت الموازين.
يسعى السياسيون حالياً لاستقطاب الناخبين عبر وعود بخفض الضرائب، بما في ذلك التراجع عن زيادة ضريبة المبيعات، بالتزامن مع برنامج إنفاق توسعي ضخم. هذا المزيج بين “زيادة النفقات” و”تراجع الإيرادات” أثار فزع أسواق الدين. في محاكاة لأزمة “الميزانية المصغرة” البريطانية التي استوجبت تدخل بنك إنجلترا حينها. إن الارتفاع الحاد في العوائد يعني تآكل قيمة السندات، مما قد يضطر المؤسسات المالية الكبرى لشطب أرباح هائلة. وفي سيناريو متشائم، قد تؤدي سرعة وتيرة ارتفاع الديون طويلة الأجل إلى “أزمة سيولة” تضرب البنوك وشركات التأمين وتفجر سلسلة من الإفلاسات.
تدخل مشترك أم خفض للفائدة؟
تراجع الين بوضوح تحت وطأة هذه المخاوف، مما استدعى ردود فعل حازمة من السلطات الرقابية. ويبدو أن “التدخل الشفهي” قد حقق غرضه مؤقتاً بعد تصريحات وزيرة المالية “ساتسوكي كاتاياما” التي تعهدت بالتدخل المباشر، لينتقل تركيز المتداولين من “إمكانية” التدخل إلى “توقيته”.
لكن الرهان الأكبر يكمن في إمكانية حدوث “تدخل مشترك” بين بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي. وهو ما ألمحت إليه “كاتاياما” ولقي صدى إيجابياً من وزير الخزانة الأمريكي “سكوت بيسنت” في منتدى “ديفوس”. ورغم أن هذا التنسيق الدولي يمثل “الخيار النووي” للحكومة لما له من أثر عميق ومستدام. إلا أنه يظل خياراً محفوفاً بالاعتبارات السياسية والاقتصادية المعقدة.
ما الذي سيفعله بنك اليابان؟
رغم الإجماع على أن رفع الفائدة قادم لا محالة، إلا أن أسواق العقود الآجلة لا تتوقع خطوة فعلية قبل الربع القادم. يواجه بنك اليابان معضلة حقيقية؛ فرفع الفائدة بسرعة قد يزيد الضغط على عوائد السندات، لكنه في الوقت ذاته سيحمي العملة من الانهيار ويحد من نزيف حاملي الديون.
ومن الناحية السياسية، يفضل البنك المركزي عادةً تجنب اتخاذ قرارات راديكالية خلال فترات الانتخابات لضمان الاستقرار. مما يجعل أي تغيير في السياسة النقدية يوم الجمعة “صدمة إيجابية” غير متوقعة. وحتى اللحظة، يبقى السيناريو الأرجح هو الإبقاء على السياسة الحالية. مع اعتماد المحافظ “كازو أويدا” على “براعة التصريح” لإدارة توقعات السوق وفرض الانضباط دون اللجوء لأدوات نقدية خشنة.


