مكتبة التداول

لماذا بات الإنفاق الحكومي عاملًا حاسمًا في أسواق العملات؟

0 20

خلال العام الماضي، برز الإنفاق الحكومي كأحد أكثر العوامل تأثيرًا في أسواق العملات، بعدما كان يُنظر إليه تقليديًا على أنه عنصر ثانوي مقارنة بالسياسة النقدية. فعلى عكس أسواق أخرى، اعتادت أسواق الفوركس أن تكون أقل حساسية للتفاصيل السياسية المحلية أو لقرارات الحكومات اليومية. إلا أن المرحلة الأخيرة، وخصوصًا خلال العام المنصرم، شهدت تحوّل السياسة المالي، أي حجم إنفاق الحكومات، إلى محرك مباشر لتحركات العملات. وهو اتجاه يراه الاقتصاديون أنه مرشح لمزيد من الحضور خلال الفترة المقبلة.

وقد انتهى أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة قبل فترة وجيزة. مع ذلك فإن تداعياته لا تزال ماثلة في أسواق العملات حتى اليوم. فما زالت بعض البيانات الاقتصادية تصدر متأخرة. في حين أن بيانات أخرى، تُعد أساسية لفهم العوامل المحركة للأسواق، قد لا تصدر أصلًا. ويعود هذا الإغلاق إلى الخلاف حول مستويات الإنفاق الحكومي، حيث فشل الجمهوريون والديمقراطيون في التوصل إلى اتفاق بشأن حجم الميزانية.

مشهد الإنفاق الحكومي عالميًا

لا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة وحدها. ففي المملكة المتحدة، أبقت موازنة الخريف الأسواق في حالة ترقّب لفترة طويلة. ما انعكس على تحركات الجنيه الإسترليني إلى أن اتضحت ملامح السياسة الضريبية ومستويات الإنفاق. وفي فرنسا، جاء انهيار الحكومة وتعيين رئيس وزراء جديد، ثم إعادة تعيينه لاحقًا في سياق الجدل حول كيفية سد فجوة الإنفاق الحكومي.

أما في ألمانيا، فقد تم تعديل قاعدة كبح الديون بهدف توسيع الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية. وهي خطوة يُتوقع أن تدعم الطلب على اليورو. وفي اليابان، أعلن رئيس الوزراء الجديد عن خطط لإنفاق إضافي. هذا بدوره ما زاد من تعقيد توقعات السياسة النقدية لبنك اليابان، ودفع العوائد إلى الارتفاع، وأسهم في إضعاف الين. وفي الصين، تُرجح التوقعات الإعلان عن حزم تحفيز مالي جديدة خلال الأشهر المقبلة، قد تنعكس إيجابًا على عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين، مثل أستراليا ونيوزيلندا.

كيف يُموَّل هذا الإنفاق؟

يبقى السؤال الجوهري: من أين يأتي تمويل هذا التوسع في الإنفاق؟ الإجابة عن هذا السؤال لها تأثير مباشر في أسواق العملات. فعندما تتجاوز نفقات الحكومات إيراداتها، يتسع العجز المالي، ما يؤدي إلى زيادة القاعدة النقدية. وغالبًا ما تكون النتيجة ارتفاع معدلات التضخم، الأمر الذي يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة للحفاظ على استقرار الأسعار. وتُعد تحركات أسعار الفائدة العامل الأكثر تأثيرًا في تسعير العملات.

وفي الوقت ذاته، تؤدي المخاوف من تسارع التضخم نتيجة الإنفاق المرتفع إلى زيادة الإقبال على أصول حفظ القيمة، مثل الذهب والفضة. ومع وصول نسب الدين العام في معظم الاقتصادات الكبرى إلى مستويات مرتفعة، يزداد قلق المستثمرين بشأن قدرة الحكومات على الوفاء بالتزاماتها. ونتيجة لذلك، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى، لا سيما على السندات طويلة الأجل. هذا ما يؤدي إلى انخفاض قيمتها وارتفاع مخاطر حدوث اضطرابات مالية، خاصة لدى المؤسسات التي تحتفظ بكميات كبيرة من هذه السندات.

عبء خدمة الدين

تُخصص الدول ذات المديونية العالية، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وعدد من دول منطقة اليورو، جزءًا متزايدًا من ميزانياتها لخدمة الدين، أي لسداد فوائد الديون القائمة. وإذا شهدت أسعار الفائدة ارتفاعًا حادًا، فإن مدفوعات الفائدة الحكومية سترتفع بدورها. مما يقلّص الموارد المتاحة لتسيير الشؤون العامة. وقد يضطر ذلك الحكومات إلى اللجوء لاقتراض إضافي، في مسار قد يقود إلى حلقة مفرغة من العجز المالي، وارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، وربما الدخول في مرحلة ركود اقتصادي.

ولتفادي هذا السيناريو، يبقى تحقيق نمو اقتصادي فعلي هو الخيار الأكثر فاعلية. إذ يسهم في تعزيز الإيرادات الحكومية وتخفيف الضغوط المالية. ولهذا السبب، قد يصبح الأداء الاقتصادي مؤشرًا أكثر أهمية لمتداولي العملات، نظرًا لكونه يسبق تحركات أسعار الفائدة. وفي المقابل، قد تجد البنوك المركزية نفسها أمام هامش أضيق للسيطرة على أسعار المستهلكين. خشية أن يؤدي تشديد السياسة النقدية بشكل مفرط إلى دفع الحكومات نحو أزمة مالية.

تداول الآن برافعة مالية تصل لـ 500:1. افتح حسابك الحقيقي الآن

Leave A Reply

Your email address will not be published.