قصة اقتصادية: جيسي ليفرمور أسطورة النجاح والفشل!
ليست قصةً خيالية أن يبدأ الإنسان حياته من مرحلة تُعرف بـ “تحت الصفر” ويصبح مليونير لفترةٍ طويلةٍ من حياته. وليست قصة خياليةً أيضًا حين نقول أن هذا المليونير كان قد أعلن إفلاسه 4 مرات، وأنهى حياته في حالةٍ يُرثى لها!
ترك جيسي ليفرمور عمله في المزرعة مع والده عام 1891، وكان عمره آنذاك 14 عامًا. ليذهب إلى مدينة بوسطن ويبدأ عمله ككاتب لأسعار الأسهم في إحدى شركات الوساطة المالية. كان جُلُ عمله هو تحديث الأسعار يدويًا على لوحة الأسعار الكبيرة من خلال نسخها من شريط الـ “تيكر تيب” ليراها العملاء. ومن خلال هذه الوظيفة البسيطة، بدأ يلاحظ أنماطًا وتكرارات في حركة الأسعار مما جعله يطور مهاراته في المضاربة والتحليل الفني.
الخطوات الأولى في التداول
تمثلت خطوته الأولى في المضاربة في البورصات الصغيرة، بعد أن لاحظ أن الأسواق المالية تتحرك بناءً على العوامل النفسية البشرية: الطمع والخوف. ليحقق نجاحات صغيرة ولكن منتظمة على المدى الطويل. كانت خطوته التالية هي نقل خبرته ونجاحاته واستراتيجياته التي حققها في الأسواق الصغيرة وتطبيقها على أسواق الأسهم الكبيرة. ليحقق أول مليون له في الـ 23 من عمره!
مقولته “النجاح في التداول لا يكون من خلال عدد الصفقات التي تفوز بها، ولكن في حجم الأرباح التي تحققها من الصفقات الناجحة.” كانت شعارًا معروفًا في تلك المرحلة.
رحلة الـ 100 مليون دولار!
عام 1907، كانت الأسواق المالية تعاني من حالة من التقلبات وانعدام الاستقرار بسبب أزمة انهيار البنوك وصعوبة الائتمان. رؤية ليفرمور كانت أن الانهيار قادم لا محالة، وذلك بعد أن قدّر بأن أسعار الأصول مبالغ فيها. في هذه المرحلة استخدم استراتيجية البيع على المكشوف، وحقق خلال شهور قليلة أرباح ضخمة تجاوزت الـ 3 مليون دولار.
وبعد أكثر من عشرين عام وخلال فترة الكساد الكبير، كان السوق يشهد فقاعة اقتصادية ضخمة. بدأ ليفرمور بمراقبة ودراسة تحركات الأسعار وحجم التداول. ولاحظ أن الأسهم ترتفع بشكلٍ مفرط دون دعم من الأرباح الحقيقية للشركات، وأن السوق أصبح يعتمد على المضاربة فقط. لذلك استنتج أن هنالك انهيار قادم، وقرر أن يتخذ موقفًا مضادًا من السوق. ليبدأ بعملية البيع على المكشوف من جديد على عددٍ كبيرٍ من الأسهم بشكلٍ هادئٍ كي لا يثير الانتباه. وكانت الطامة الكبرى فعلًا في 24 أكتوبر (وهو ما يُعرف بالخميس الأسود) حين بدأ السوق بمرحلة الانهيار الفعلي ليفقد أكثر من 30% من قيمته. وتخسر الناس مدخراتها وتنهار العديد من البنوك ويصبح الاقتصاد في حالة يُرثى لها. حينها فقط، أعلن جيسي ليفرمور عن ربحه لـ 100 مليون دولار.
الحقيقية المُرّة: إفلاس ليفرمور لـ 4 مرات!
أسطورة النجاح هذه التي حققت أول مليون دولار في ريعان شبابها، ووصلت إلى 100 مليون دولار في خضم الانهيارات الاقتصادية والأزمات كانت مضربًا للفشل أيضًا. فالحقيقة هي أن نجاحات ليفرمور الكبيرة تخللها 4 إفلاسات كارثية، تسببت الأخيرة منها في إنهاء حياته.
- الإفلاس الأول 1902: حدث ذلك حين دخل بصفقات ضخمة على أسهم محدودة بعد أن اعتمد على التكهنات السريعة بدلًا من دراسة السوق، وبعد أن افتقد لأحد أهم أسس التداول بالمبالغ الضخمة وهو التنويع الاستثماري.
- الإفلاس الثاني 1915: كان ذلك حين زاد من حجم صفقاته بشكلٍ مفرط دون إدارة جيدة للمخاطر، مما أدى إلى خسائر متراكمة.
- الإفلاس الثالث 1924: وهو ما عُرِف لاحقًا بإفلاس سوق القطن. دخل ليفرمور ليستثمر بالقطن معتمدًا فقط على التحليل الفني دون الأساسي، وناظرًا إلى السوق بشكل دوني ليؤدي ذلك إلى خسائر هائلة لكل ما يملك.
- الإفلاس الرابع 1934: بعد أن حقق ليفرمور المليون دولار، لعب العامل النفسي دورًا كبيرًا في صفقاته. ليبدأ بتجاهل قواعد السوق التي برع في قراءتها، معتقدًا أن السوق سيتصرف دومًا كما يتوقع هو. هذا ما جعله يستخدم الرافعة المالية بشكل كبير. ويتمسك باستراتيجيته الشهيرة “البيع على المكشوف” ونظريته أن السوق سوف ينهار من جديد.. لكن السوق كان في مرحلة تعافي، مما تسبب في إفلاسه.
ما هي الدروس المستفادة من قصة جيسي ليفرمور؟
لعل الفكرة الأبرز هي أن ليفرمور، على الرغم من إقراره بأن الخسائر جزء من اللعبة وأن الأهم هو عدم تكرار الأخطاء، إلا أنه وقع مرارًا في النمط نفسه على امتداد حياته. فقد تمسّك باستراتيجية البيع على المكشوف حتى مع تغيّر السوق والظروف الاقتصادية. دون أن يعمل على تطوير أدواته أو إعادة قراءة المعطيات بشكل مختلف. لذا، يمكن القول إن أسلوبه اتّسم بالتكرار والجمود، مما حدّ من قدرته على التكيّف. والمفارقة اللافتة أن ليفرمور، رغم إدراكه العميق لأهمية إدارة المخاطر، لم يكن يطبق ما يعرفه.


