تحديث الذهب: هل بدأ وقت الانطلاق؟
رغم بعض التحركات المحدودة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، يبدو أن أسعار الذهب دخلت مرحلة من التماسك منذ أواخر أبريل. ورغم هذا الاستقرار النسبي، لا يزال المعدن النفيس مرتفعًا بنسبة تقترب من 30% منذ بداية العام. مدعومًا بتراجع الدولار وتزايد الإقبال على الملاذات الآمنة من قبل المستثمرين. لكن مجموعة من العوامل قد تتقاطع قريبًا لتعيد للذهب زخمه الصعودي.
وقد لفت المحللون الانتباه إلى تحركات لافتة في بعض الأصول المرتبطة بالذهب، حيث سجلت معظم المعادن الثمينة مكاسب قوية خلال يونيو بخلاف الذهب. وكان البلاتين في الصدارة بعد أن قفز بنحو 30% خلال شهر واحد، في أقوى أداء شهري له منذ أربعة عقود تقريبًا. كما ارتفع البلاديوم بنسبة تجاوزت 7% خلال أسبوع، بينما بلغت الفضة أعلى مستوياتها في 13 عامًا. هذا الزخم دفع ببعض المراقبين إلى الحديث عن “دورة صعود فائقة” جديدة للمعادن الثمينة، قد تُمهّد الطريق أمام الذهب للارتفاع مجددًا.
هل هو اتجاه عام أم تحرك مدفوع بعوامل محددة؟
تعود المعادن إلى واجهة الأسواق في ظل استمرار الحرب التجارية. ويبرز البلاتين كمثال، نظرًا لأن جنوب إفريقيا التي تُعد المنتج الأكبر له عالميًا تواجه تهديدًا بفرض تعريفات جمركية أمريكية تصل إلى 31%، إذا لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق تجاري بحلول الأسبوع القادم. وتشير تقارير إلى أن المفاوضات لا تسير بسلاسة، ما يعزز التوقعات بأن أسعار البلاتين قد تتجه لمزيد من الصعود.
لكن رغم أن هذه العوامل قد تفسر ارتفاع البلاتين، فإنها لا تبرر الزخم الإيجابي الذي يطال معظم المعادن الثمينة. أحد الأسباب التي يُرجّحها المحللون هو تحوّل بعض الطلب من الذهب إلى البلاتين نظرًا للارتفاع النسبي في تكلفة الذهب. هذا ما دفع بالمشترين خاصة في قطاع المجوهرات إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة. ورغم أن الحلي لا تمثل سوى نسبة صغيرة من السوق الكلية، فإن هذا الاتجاه يعكس كيف يمكن لصعود الذهب أن يعيد تشكيل خريطة الطلب على المعادن النظيرة.
هل هناك موجة طلب جديدة تلوح في الأفق؟
تلوح في الأفق مؤشرات سياسية واقتصادية قد تلعب دورًا مهمًا في دفع أسعار الذهب خلال الأشهر المقبلة:
- الميزانية الفيدرالية الأمريكية: شهدت زيادة ملحوظة في الإنفاق الحكومي، من ضمنها رفع سقف الدين العام بنحو 5 تريليونات دولار. هذا التوسع في العجز يُرجّح أن يُفضي إلى تصاعد الضغوط التضخمية. مما يعزز الإقبال على الذهب كأداة للتحوّط من تآكل القوة الشرائية.
- السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي: يستعد البنك المركزي الأمريكي لخفض أسعار الفائدة، مع توقعات ببدء أولى خطوات التيسير النقدي في سبتمبر، وإن كانت السوق تسعّر احتمالًا ضعيفًا لخفض مبكر في يوليو. وكما هو معروف، فإن أسعار الفائدة المنخفضة تزيد من جاذبية الذهب باعتباره أصلًا لا يدرّ عائدًا. هذا الأمر قد يرفع من قيمته النسبية في بيئة العوائد المنخفضة. وحين يُضاف إلى هذا استمرار حالة عدم اليقين في المشهد الجيوسياسي والتجاري، يتضح أن الذهب يقف على أرضية داعمة.
هل الدولار يدعم الذهب أم يهدده؟
تراجع مؤشر الدولار الأمريكي بنحو 10% منذ بداية العام، وهو ما أسهم بدوره في تعزيز أسعار السلع المقوّمة بالدولار، وعلى رأسها الذهب. ويُلاحظ أن المستثمرين بدؤوا بتقليص حيازاتهم من الأصول الدولارية. كما وجّهوا سيولتهم نحو أسواق بديلة خصوصًا في أوروبا في محاولة للابتعاد عن الضبابية السياسية المنبعثة من واشنطن.
لكن هذا الاتجاه لا يخلو من مخاطر انعكاسية. ففي حال شهد الاقتصاد الأمريكي أداءً أقوى من المتوقع، فقد يعيد الفيدرالي النظر في تخفيف سياسته النقدية. كما قد تتراجع الحاجة إلى الإنفاق التوسعي، ما يُقلّص الضغوط التضخمية ويُضعف مبررات التحوّط بالذهب. وفي حال كان ما نشهده هو بالفعل بداية “دورة صعود فائقة” للذهب، فإن المستثمرين سيراقبون الاقتصاد الأمريكي عن كثب كمؤشر رئيسي لاتجاهات المرحلة المقبلة.


