مكتبة التداول

تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس: هل يمنع الاحتياطي الفيدرالي من رفع الفائدة؟

0 12

تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس قد يكون العامل الذي يعيد رسم توقعات الأسواق بشأن قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في سبتمبر.

فقد تضاعفت احتمالات رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر لتتجاوز 60%، بعدما بدا رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، أكثر تشدداً بكثير مما كانت الأسواق تتوقع خلال خطابه في ندوة جاكسون هول يوم الجمعة.

ومنذ ذلك الحين، حافظت احتمالات رفع الفائدة على مستويات مرتفعة إلى حد كبير. وفي المقابل، أعادت الأسواق تركيزها على التضخم، بعدما تراجع الاهتمام نسبياً ببيانات الوظائف.

لكن تقريراً مفاجئاً بقوة في بيانات الوظائف غير الزراعية، المنتظر صدوره يوم الجمعة، قد يعيد سوق العمل إلى مركز اهتمام المستثمرين.

وتكمن أهمية التقرير في أنه قد يكون أحد أكثر البيانات الاقتصادية قدرة على تحريك الأسواق خلال هذا الشهر.

الدولار لم يستفد كثيراً من ارتفاع توقعات رفع الفائدة

رغم التحول الواضح في توقعات الأسواق بشأن رفع أسعار الفائدة، لم يحقق الدولار مكاسب كبيرة خلال الأسبوع الماضي.

بل إن سلة الدولار أصبحت أضعف مما كانت عليه قبل إلقاء وارش خطابه في جاكسون هول. وهذا التطور يستحق التوقف عنده.

فقد تكون الأسواق تنظر إلى ما هو أبعد من قرار رفع الفائدة نفسه، وتركز بدرجة أكبر على العوامل الاقتصادية الكلية التي ستحدد وضع الاقتصاد الأمريكي على المدى الأبعد.

ولهذا السبب، قد تكون هذه العوامل هي التي تحدد طريقة تفاعل الأسواق مع تقرير الوظائف غير الزراعية، الذي يعد عادة من أكثر البيانات الاقتصادية قدرة على إثارة التقلبات خلال الشهر.

بمعنى آخر، قد لا يكون السؤال الوحيد هو ما إذا كانت البيانات ستدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة أم لا. بل قد يكون السؤال الأوسع هو: ماذا تكشف البيانات عن المسار الحقيقي للاقتصاد الأمريكي؟

ما الأرقام التي تهم الاحتياطي الفيدرالي؟

كانت إحدى أبرز الرسائل التي حملها خطاب كيفن وارش أن سوق العمل الأمريكية لا تزال قوية. وجاء هذا التقييم رغم أن قراءة شهر يوليو لبيانات الوظائف جاءت في المنطقة السلبية.

لكن وارش لم يستند في تقييمه إلى العدد الإجمالي للوظائف. بدلاً من ذلك، ركز رئيس الاحتياطي الفيدرالي على معدل البطالة، الذي بقي مستقراً عند 4.1%.

كما قدم تفسيراً لتراجع وتيرة التوظيف. ففي اقتصاد يقترب من التوظيف الكامل، من الطبيعي أن يتراجع عدد الوظائف الجديدة.

والسبب بسيط: عندما يكون معظم الأشخاص القادرين على العمل يعملون بالفعل، يصبح عدد الأشخاص المتاحين للحصول على وظائف جديدة أقل.

ومن هنا، يبدو أن معدل البطالة قد يكون المؤشر الأهم بالنسبة إلى الاحتياطي الفيدرالي عند تقييم أوضاع سوق العمل وتحديد اتجاه السياسة النقدية.

لكن الأسواق تنظر إلى ما هو أبعد من قرار الفائدة

رغم أهمية بيانات سوق العمل بالنسبة إلى الاحتياطي الفيدرالي، لم تتحرك الأسواق في الفترة الأخيرة بشكل كبير بناءً على توقعات السياسة النقدية وحدها.

ولهذا، قد يكون تأثير قوة الاقتصاد أو ضعفه في الدولار أكبر من تأثير التغيرات المباشرة في توقعات الفائدة. ويرجع ذلك إلى أن الأداء الاقتصادي يؤثر في عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل.

فعندما تظهر البيانات تباطؤاً اقتصادياً، قد تتراجع هذه العوائد، وهو ما يمكن أن يضغط على الدولار.

لذلك، قد تؤدي بيانات وظائف أضعف من المتوقع إلى انخفاض الدولار، حتى لو بقيت ظروف سوق العمل مشدودة بما يكفي لإبقاء الاحتياطي الفيدرالي على مسار رفع أسعار الفائدة.

وهذه نقطة مهمة لفهم رد فعل الأسواق المحتمل. فقد تشير البيانات إلى أن رفع الفائدة لا يزال ممكناً، بينما يتراجع الدولار في الوقت نفسه بسبب المخاوف المتعلقة بالنمو الاقتصادي وعوائد السندات طويلة الأجل.

ما الذي يجعل رقم الوظائف «جيداً»؟

لا تعتمد نظرة الأسواق إلى قوة تقرير الوظائف غير الزراعية على مجرد تجاوز التوقعات أو الإخفاق في تحقيقها. فهناك عدة عوامل تحدد ما إذا كان الرقم الجديد يعكس بالفعل قوة في سوق العمل الأمريكية.

وخلال العام الماضي، شهدت ديناميكيات سوق العمل تحولاً واضحاً.

ومن أبرز هذه التحولات ارتفاع أعداد الأشخاص الذين يخرجون من سوق العمل بسبب التقاعد. كلما ارتفع عدد المتقاعدين، تقلص حجم القوة العاملة.

ومع تقلص القوة العاملة، ينخفض عدد الوظائف الجديدة اللازمة لتعويض الأشخاص الذين يغادرون سوق العمل والحفاظ على مستوى التوظيف.

بمعنى آخر، أصبح الاقتصاد الأمريكي يحتاج إلى وتيرة توظيف أقل من السابق للحفاظ على مستويات مرتفعة من التوظيف.

الهجرة تقلص عدد العاملين المتاحين

هناك عامل آخر يؤثر في قراءة أرقام الوظائف. فإجراءات إدارة ترامب المشددة تجاه الهجرة تقلص أيضاً عدد الأشخاص المتاحين لشغل الوظائف.

وبالتالي، يمكن أن تؤثر هذه السياسة بصورة مباشرة في عدد الوظائف الذي يظهر في تقرير الوظائف غير الزراعية.

ويعتمد مسح مكتب إحصاءات العمل الأمريكي على سؤال الشركات عن عدد الأشخاص العاملين لديها. ولا يسأل المسح عن الوضع القانوني للمهاجرين العاملين.

لذلك، إذا غادر بعض المهاجرين الولايات المتحدة، سينخفض عدد الأشخاص العاملين والمتاحين للعمل.

وقد يحدث ذلك سواء كان هؤلاء الأشخاص يقيمون في البلاد بصورة غير قانونية أو فقدوا وضعهم الذي يسمح لهم بالعمل.

وفي الحالتين، سينخفض عدد الأشخاص المتاحين لشغل الوظائف، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض أرقام التوظيف. وخلال العام الماضي، تقلص إجمالي القوة العاملة الأمريكية بنحو 1.4 مليون شخص. وجاء هذا التراجع نتيجة عاملين رئيسيين: انخفاض الهجرة وارتفاع أعداد المتقاعدين.

وهذا يعني أن الاقتصاد الأمريكي يستطيع الحفاظ على مستوى قريب من التوظيف الكامل حتى مع تسجيل معدل توظيف أقل بكثير مما كان مطلوباً في السابق.

ماذا تنتظر الأسواق من تقرير أغسطس؟

يتوقع المحللون أن يظهر تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس ارتفاع عدد الوظائف بمقدار 50 ألف وظيفة. ويأتي ذلك بعد قراءة الشهر السابق، التي أظهرت خسارة قدرها 27 ألف وظيفة.

أما معدل البطالة، فمن المتوقع أن يبقى دون تغيير عند 4.1%. لكن الرقم الرئيسي لشهر أغسطس قد لا يكون العامل الأكثر أهمية بالنسبة إلى الأسواق. فمراجعات بيانات الأشهر السابقة قد تلعب دوراً أكبر.

وعادة ما تخضع نتائج الشهرين الأخيرين للمراجعة عند صدور التقرير الجديد. وقد يكون حجم التعديلات في هذين الشهرين أكبر من الفارق بين الرقم الفعلي لشهر أغسطس والتوقعات.

ولهذا، لن يركز المستثمرون على قراءة أغسطس وحدها. بل سيراقبون أيضاً اتجاه المراجعات التي ستطرأ على بيانات الشهرين السابقين.

كيف يمكن أن يتفاعل الاحتياطي الفيدرالي والدولار؟

من غير المرجح أن يؤدي تغير بسيط بمقدار عُشر نقطة مئوية في معدل البطالة إلى تغيير موقف الاحتياطي الفيدرالي. لكن السيناريو قد يختلف إذا جاءت بيانات الوظائف أقوى أو أضعف بشكل واضح من المتوقع.

فإذا تجاوز عدد الوظائف الجديدة توقعات الأسواق، وفي الوقت نفسه جرى تعديل بيانات الشهر السابق لتعود إلى المنطقة الإيجابية، فقد يدعم ذلك بقوة الرأي القائل إن الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى رفع أسعار الفائدة في سبتمبر. وفي هذه الحالة، من المرجح أن يجد الدولار دعماً.

أما السيناريو المعاكس، فقد يشكل ضغطاً على العملة الأمريكية. فإذا جاءت بيانات الوظائف دون التوقعات، وتزامن ذلك مع مراجعة هبوطية إضافية لبيانات الشهر السابق، فقد يضعف الدولار.

كما قد تعود الأسواق إلى تسعير احتمالات أكثر توازناً بين رفع أسعار الفائدة والإبقاء عليها دون تغيير.

تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس قد يعيد توجيه الأسواق

ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة بشكل واضح بعد خطاب وارش المتشدد. لكن الدولار لم يتجاوب مع هذا التحول بالقوة التي قد تتوقعها الأسواق.

ولهذا، فإن تقرير الجمعة قد لا يكون مجرد اختبار جديد لتوقعات قرار الاحتياطي الفيدرالي. بل قد يكون اختباراً أوسع لتقييم المستثمرين لقوة الاقتصاد الأمريكي.

إذا جاءت البيانات قوية، وتحسنت بيانات الأشهر السابقة بعد مراجعتها، فقد تتعزز توقعات رفع الفائدة في سبتمبر ويحصل الدولار على دعم جديد.

أما إذا خيبت البيانات التوقعات، وجاءت المراجعات سلبية أيضاً، فقد يتراجع الدولار وتعود الأسواق إلى تقييم احتمالات رفع الفائدة بصورة أكثر توازناً.

لذلك، لن يكون التركيز في تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس على الرقم الرئيسي وحده.

بل ستراقب الأسواق معدل البطالة، ومراجعات بيانات الشهرين السابقين، وما تكشفه هذه الأرقام مجتمعة عن قوة سوق العمل والاقتصاد الأمريكي.

ومن المرجح أن تحدد هذه الصورة الكاملة، وليس رقم الوظائف وحده، اتجاه الدولار وتوقعات رفع الفائدة بعد صدور التقرير.

 

!هل تشعر بالثقة الكافية لبدء التداول؟ افتح حسابك الآن
Orbex Logo

Leave A Reply

Your email address will not be published.