متى ينجح الذهب في اختراق حاجز 5,000 دولار للأوقية؟
سجلت المعادن النفيسة صعوداً استثنائياً خلال العام الجاري، لتمتد بذلك موجة المكاسب القوية التي بدأتها أواخر العام المنصرم. وبطبيعة الحال، شكلت العوامل الجيوسياسية المحرك الرئيسي لهذا الزخم. ورغم انحسار أزمة “جرينلاند” يوم الأربعاء، واصلت أسعار الذهب والفضة مسارها الصاعد. فما هي الدوافع الحقيقية وراء هذه التحركات غير المسبوقة في قطاع المعادن الثمينة، وهل تحمل مقومات الاستدامة؟
لقد اقترب الذهب بشدة من ملامسة العتبة النفسية عند 5,000 دولار للأوقية خلال تداولات الخميس والجمعة، مسجلاً ذروته السعرية فوق 4,950 دولاراً. وفي موازاة ذلك، كان أداء الفضة أكثر إبهاراً. حيث لامست مستويات تقترب من 100 دولار للأوقية، محققة قفزة فاقت 35% في أقل من شهر منذ مطلع العام. وتتجه أنظار المتداولين حالياً نحو الاستحقاقات القادمة، وفي مقدمتها اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة الأسبوع المقبل، لاستنباط إشارات تؤكد استمرارية هذا الاتجاه الصاعد.
ما وراء الكواليس الجيوسياسية
لاحت في الأفق خلال الأسبوع الماضي إشارات توحي باقتراب الذهب من بلوغ سقف سعري. حيث سجل قمتين قياسيتين قبل أن يتراجع بوتيرة سريعة تحت ضغط عمليات جني الأرباح. لكن سرعان ما أحدث الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” هزة عنيفة في الأسواق والأروقة الدبلوماسية بتلويحه بفرض رسوم جمركية على الحلفاء الأوروبيين على خلفية أزمة “جرينلاند”. مما حفز المستثمرين للاندفاع نحو الملاذات الآمنة، ودفع بأسعار قطاع المعادن الثمينة برمته نحو الأعلى.
ورغم تراجع ترامب عن تهديداته بوتيرة سريعة نسبياً، وإعلانه بحلول الأربعاء عن التوصل إلى اتفاق إطاري بخصوص جرينلاند. إلا أن استجابة الأسواق -التي شكت أساساً في جدية التهديد- جاءت باهتة، ولم يشهد الطلب على الملاذات الآمنة تراجعاً يذكر. ويُعزى ذلك جزئياً إلى أن “أزمة جرينلاند” قد وسعت هوة الخلافات التجارية بين أكبر كتلتين اقتصاديتين. ولم تفلح مساعي التهدئة الأخيرة في رأب الصدع؛ إذ أقر البرلمان الأوروبي إرجاء المصادقة على الاتفاق التجاري المبرم مع واشنطن العام الماضي. وعبر النواب في “ستراسبورج” عن تصاعد أزمة الثقة تجاه الإدارة الأمريكية، مما يضع عراقيل إضافية أمام تمرير الاتفاقية التجارية.
ملفات عالقة تزيد من تعقيد المشهد
شهدت “العملة الخضراء” تراجعاً ملحوظاً خلال الأسبوع المنصرم، مما منح دعماً تلقائياً للمعادن النفيسة المقومة بالدولار. وتواترت أنباء -غير مؤكدة- عن قيام صناديق استثمارية أوروبية بتسييل حيازاتها من أدوات الدين الأمريكية كخطوة “عقابية” رداً على سياسات الإدارة الأمريكية بشأن جرينلاند. وفي غضون ذلك، سجلت العوائد الأمريكية ارتفاعاً بالتزامن مع ضعف الدولار، في مؤشر واضح على تآكل الثقة في عملة الاحتياطي العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو الصين -أكبر مشترٍ للذهب عالمياً- في موقع المستفيد الأكبر. حيث خفض بنك الشعب الصيني السعر المرجعي اليومي لليوان إلى أدنى مستوياته في عامين، ليستقر دون حاجز 7 يوانات للدولار. وبالتوازي، انتعشت مؤشرات الأسواق الناشئة وأسهم الشركات الأمريكية ذات رأس المال الصغير، في دلالة واضحة على بحث المتداولين عن العوائد. وتصدرت عملتا أستراليا ونيوزيلندا قائمة العملات الأفضل أداءً، مستفيدتين من الروابط التصديرية الوثيقة مع الصين، لا سيما في السلع الحافظة للقيمة. وتؤكد هذه المعطيات مجتمعة أن مسار “التخلي عن الدولرة” يمضي قدماً رغم هدوء العواصف الجيوسياسية عبر ضفتي الأطلسي.
الآفاق المستقبلية والمسارات المتوقعة
في حين يتربع الذهب على عرش الملاذات الآمنة للمتداولين الباحثين عن التحوط ضد تقلبات الأسواق، نجح الأداء الاستثنائي للفضة في جذب اهتمام شريحة واسعة من المحللين. فالفضة تعتمد بشكل أساسي على التطبيقات الصناعية. لا سيما في صناعة الألواح الشمسية التي تشهد نمواً ملحوظاً تزامناً مع التحول الطاقي. والواقع أن قوى العرض تعجز عن مواكبة الطلب المتنامي، في حين يستغرق تطوير مناجم فضة جديدة سنوات عدة. نظراً لأن أغلب الإنتاج يأتي كمنتج ثانوي لعمليات تعدين معادن أخرى كالنحاس.
ومع استمرار ملفات فنزويلا وإيران، وتجدد النقاشات حول الحرب في أوكرانيا، تظل المخاطر الجيوسياسية مرتفعة في السوق. وفي ظل هذا المشهد المعقد، فإن تبني الفيدرالي لسياسة نقدية أكثر تيسيراً. أو صدور بيانات اقتصادية أمريكية ضعيفة، قد يوفر رافعة إضافية تدعم استمرار صعود المعادن الثمينة.


