ما وراء النفط: سلع أخرى تهدد بإرباك أسواق الصرف الأجنبي!
مع اندلاع شرارة الحرب في الشرق الأوسط، اتجهت أنظار المتداولين فوراً نحو مسار النفط. لا سيما وأن نحو 20% من إمدادات الخام العالمية تمر عبر مضيق هرمز. غير أن المشهد يضم سلعاً أخرى تتمركز بوضوح أكبر في هذه المنطقة. وتُعد شريان حياة لصناعات محددة، ما ينذر بتداعيات واسعة النطاق في حال طال أمد الصراع.
وتُصنع العديد من هذه المنتجات إما بالقرب من حقول إنتاج النفط أو تُستخرج كمنتجات ثانوية من عمليات تكرير الخام. وغالباً ما يأتي هذا التمركز في منطقة الخليج كإفراز لجهود خفض التكاليف التشغيلية. فمقارنة بحصة الـ 20% من النفط، تستحوذ المنطقة على 30% من الإنتاج العالمي للأسمدة. فيما كان يمر 45% من صادرات الكبريت عبر مضيق هرمز، فضلاً عن أن ثلث صادرات الهيليوم العالمية ينبع من قطر، وقرابة نصف الإنتاج العالمي من مادة اليوريا يتركز في ذات المنطقة.
لماذا تتجاوز أبعاد الأزمة حدود النفط الخام؟
تتسم أسعار الطاقة بتذبذباتها الحادة، ولذا غالباً ما تُستبعد من المخاوف التضخمية. في المقابل، تُعد قراءات التضخم الأساسي أكثر استقراراً، وتُتخذ كبوصلة لتوجيه قرارات السياسة النقدية. ويكمن الهاجس الأكبر حيال صعود أسعار الخام في انتقال عدوى التكاليف الباهظة لتتغلغل في نهاية المطاف داخل مفاصل الاقتصاد وتؤجج التضخم. ومع ذلك، لا يبدو هذا الخطر داهماً في اللحظة الراهنة، إذ تتطلب هذه الدورة بعض الوقت لتلقي بظلالها على الأسواق.
وفي غضون ذلك، أظهر خام برنت تماسكاً ملحوظاً فوق حاجز 100 دولار للبرميل خلال هذا الأسبوع، في ظل سعي الشركات لإدارة مخزوناتها والبحث عن بدائل لإمدادات الخليج. ويعمد الموردون حالياً إلى السحب من مخزونات حوض المحيط الأطلسي، مستفيدين من قفزة الأسعار التي أفرزتها الحرب. ومن المرجح أن تكفي هذه المخزونات لتغطية الطلب لنحو شهر إضافي، وهو ما قد يساهم في كبح جماح أسعار الخام نسبياً، شريطة ألا يطول أمد الصراع الجيوسياسي.
التضخم: المحرك الرئيسي لبوصلة العملات الآن
بيد أن إدارة المخزونات لا تبدو بتلك السهولة للسلع الأخرى، وعلى رأسها اليوريا. خاصة وأن استهلاك نصف الكرة الأرضية الشمالي يبلغ ذروته (نحو 40%) خلال فصل الربيع. وقد بدأت الأسعار في الصعود بالفعل. وهو مسار سينعكس حتماً على قراءات مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي المرتقبة في أوائل أبريل. فتضخم تكاليف الأسمدة الزراعية في موسم البذر سيُترجم بصورة مباشرة إلى قفزة في أسعار الغذاء بحلول موسم الحصاد في الخريف. هذا ما يهدد بترسيخ الضغوط التضخمية واستدامتها.
علاوة على ذلك، يُعد البترول المادة الخام لتصنيع معظم اللدائن (البلاستيك). مما يعني أن قفزة أسعار الخام ستترجم قريباً إلى موجة غلاء تطال كل شيء تقريباً. فالكبريت عنصر محوري في تصنيع طيف واسع من الكيماويات الحيوية والأسمدة، بينما يكتسب الهيليوم أهمية استثنائية لدخوله في تشغيل أجهزة طبية دقيقة كأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. ومن شأن ارتفاع تكاليف كل هذه العناصر أن ينعكس فوراً على مؤشرات أسعار المستهلكين. مما قد يضع بعض البنوك المركزية تحت ضغط هائل للتعجيل برفع أسعار الفائدة.
تباين أثر الأزمة على العملات الرئيسية
لم تقف الصين، أكبر منتج لليوريا في العالم، مكتوفة الأيدي. إذ شرعت بالفعل في فرض قيود على صادراتها إثر التحديات التي تواجهها في تأمين إمدادات الغاز الطبيعي منخفض التكلفة. وهذه الخطوة من شأنها مفاقمة أزمة الأسعار مع توجه المستهلكين للبحث عن موردين بدائل، وتحديداً في الولايات المتحدة. في المقابل، قد تشهد الدول التي تمتلك إمدادات محلية كافية من المشتقات البترولية والمنتجات الثانوية انتعاشاً في صادراتها. وهو ما سيوفر دعماً قوياً لعملاتها، ويبرز هنا بوضوح موقع كل من كندا والولايات المتحدة.
على الجانب الآخر، تبدو الدول المعتمدة بكثافة على الاستيراد، كدول الاتحاد الأوروبي واليابان ونيوزيلندا. في موقف هش، حيث ستتعرض عملاتها لضغوط هبوطية نتيجة تضخم فواتير استيرادها. وتتزايد المخاطر من تسارع وتيرة تضخم أسعار المستهلكين في هذه الاقتصادات مع تزايد التهديدات المحيطة بسلاسل إمدادها. ورغم أن هذا المشهد العاصف قد يجبر بنوكها المركزية على تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة. إلا أن ذلك قد يؤدي للمفارقة إلى إضعاف عملاتها، في ظل تفاقم مخاوف المستثمرين من احتمالات تباطؤ وانكماش الأداء الاقتصادي.


