مؤشر أسعار المستهلكين وتوقيت رفع أسعار الفائدة من بنك إنجلترا!
تتجه أنظار الأسواق نحو البيانات المرتقبة في المملكة المتحدة لترسيخ قاعدة أساسية حول الكيفية التي قد تؤثر بها القفزات في أسعار الطاقة على مجمل المشهد الاقتصادي. وتكتسب هذه الأرقام أهمية بالغة في تحديد توقيت أولى خطوات بنك إنجلترا نحو رفع أسعار الفائدة. وهو ما سينعكس بدوره على تحركات أزواج الجنيه الإسترليني. وقد سجل الكابل أداءً إيجابياً خلال تداولات هذا الأسبوع، مستفيداً بالأساس من حالة الضعف التي تعتري الدولار. ورغم التحديات، تمتلك بريطانيا مقومات تمنحها مرونة أكبر في البيئة الراهنة مقارنة بنظيراتها الأوروبية، مما قد يسهم في إبقاء الإسترليني محلقاً عند مستويات مرتفعة.
ويأتي صدور هذه البيانات في سياق بالغ الأهمية عقب قرار بنك إنجلترا الأسبوع الماضي بشأن أسعار الفائدة، والذي تلقفته الأسواق بنبرة أكثر تشدداً مما كان متوقعاً. فقد أجمع أعضاء لجنة السياسة النقدية على الإبقاء على معدلات الفائدة دون تغيير، وهو سيناريو تماشى مع توقعاتنا، مفضلين التريث لشهر إضافي ريثما تتوافر مزيد من البيانات لرسم المسار المستقبلي للسياسة النقدية. وفي أعقاب هذا الاجتماع، سارعت قاعات التداول إلى تسعير إقرار زيادتين في أسعار الفائدة خلال العام الجاري، مع احتمالية تبلغ أربعين بالمائة لتمرير الزيادة الأولى في أقرب وقت بحلول شهر أبريل.
تحول جذري في المسار
قبيل اندلاع شرارة الحرب، كانت ترجيحات الأسواق تصب في صالح مواصلة بنك إنجلترا لتبني دورة تيسير نقدي بطيئة الوتيرة بوجه عام. واستندت تلك الرؤية إلى أنه رغم بقاء التضخم أعلى من المستوى المستهدف. إلا أن التوقعات كانت تشير إلى تراجعه دون هذا الهدف على مدار العام، مدفوعاً بتزايد حالة التراخي في سوق العمل. وفي واقع الأمر، كانت بيانات التوظيف تلعب الدور الأبرز في رسم ملامح النظرة المستقبلية للجنيه الإسترليني، نظراً لكونها المقياس الأهم الذي يضعه صناع القرار في بنك إنجلترا تحت المجهر.
أما اليوم، وفي ظل التوقعات بأن تُذكي التكاليف الباهظة للطاقة نيران التضخم، أضحت معدلات التضخم – التي كانت مرتفعة بالأساس قبل نشوب الصراع – تمثل معضلة كبرى تضغط على كاهل الإسترليني. وعلاوة على ذلك، فإن الهامش المالي الضيق للغاية في ميزانية الحكومة يقلص بشدة من مساحة المناورة المتاحة أمامها للتعاطي مع موجة الغلاء مقارنة بما كان عليه الحال في عام 2022. وإذا ما أقدم بنك إنجلترا على رفع أسعار الفائدة، مسبباً بذلك انكماشاً اقتصادياً، فستتقلص الإيرادات الحكومية بشكل أكبر. مما سيحد من قدرتها على تخصيص الموارد اللازمة للسيطرة على أسعار الطاقة.
التوقيت يمثل حجر الزاوية
كل هذه المعطيات تجعل الأسواق في حالة حساسية مفرطة تجاه توقيت إقرار بنك إنجلترا لأي زيادة في أسعار الفائدة. فإذا جاءت الخطوة مبكرة، سيقع الاقتصاد تحت وطأة ضغوط عنيفة. مما سيعمق جراح المالية العامة للحكومة ويلقي بظلاله القاتمة على الأصول المقومة بالجنيه الإسترليني. أما في حال التريث، فقد تنجلي غيوم الأزمة في الشرق الأوسط قبل أن يُضطر البنك المركزي لتشديد سياسته. أو قد تتكشف الأمور عن تداعيات أقل وطأة مما تخشاه الأسواق.
ومن المرجح أن تتجاوز الأسواق في نظرتها أرقام التضخم الحالية عند تقييمها لحجم الزيادات التي سيقرها بنك إنجلترا. نظراً لأن هذه الخطوة تأتي كرد فعل مباشر لصدمة إمدادات الطاقة. لكن المتغير الحقيقي يكمن في توقيت انطلاق شرارة الرفع الأول. فإذا أظهرت البيانات تفاقماً في التضخم، فإن ذلك سيضيق الخناق على بنك إنجلترا ويحرمه من رفاهية تأجيل التشديد النقدي. هذا بدوره ما يعزز احتمالات رفع الفائدة في أبريل. بالمقابل، إذا سجل التضخم تراجعاً طفيفاً، فقد يجد البنك متنفساً للانتظار شهراً آخر لاستجلاء تداعيات الحرب الاقتصادية بصورة أدق. وهو سيناريو قد يصب في النهاية في مصلحة دعم الإسترليني.
ماذا تترقب الأسواق؟
يُجمع المحللون في توقعاتهم على استقرار قراءات مؤشر أسعار المستهلكين في المملكة المتحدة لشهر فبراير. بشقيه العام والأساسي، دون تغيير عند مستويات 3.0% و 3.1% على التوالي. وكان يُعول على تراجع أسعار النفط مطلع العام الجاري للمساهمة في تخفيف وطأة الضغوط التضخمية. إلا أن المشهد قد انقلب رأساً على عقب في الوقت الراهن.
وتبرز نقطة الضوء التي قد يستفيد منها الجنيه الإسترليني في حقيقة أن المملكة المتحدة تستورد نحو خمسين بالمائة فقط من احتياجاتها النفطية. وهي نسبة تقل بكثير عن حاجز التسعين بالمائة الذي يتجاوزه الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تبقى هذه الواردات مُسعّرة بخام برنت، مما يعني أن الضريبة التضخمية ستكون متقاربة في كلا الاقتصادين. لكن على الجانب الآخر، فإن هذا يعني أن المملكة المتحدة ستتكبد فاتورة استيراد طاقة أقل بالجنيه الإسترليني. وهو ما قد يمنح العملة البريطانية أفضلية نسبية وتماسكاً يفوق اليورو طالما ظلت الأسعار تحلق عند مستوياتها المرتفعة.

