هل يستدرج صعود اليورو “المركزي الأوروبي” نحو التيسير النقدي؟
واجه الدولار الأمريكي موجة تراجع جديدة خلال تداولات هذا الأسبوع، مما منح اليورو فرصة للبقاء ضمن مستويات مرتفعة نسبياً؛ فبينما يستقر السعر حالياً تحت حاجز 1.1900، لا يزال الزحف الصعودي يقترب من منطقة 1.2000، وهي المنطقة التي أثارت حفيظة البنك المركزي الأوروبي قبل أسبوعين فقط. وبينما ترنح الدولار تحت وطأة ضغوط الرئيس “دونالد ترامب” لخفض الفائدة وتهديداته بفرض رسوم جمركية قد تعيق التجارة العالمية، حصد اليورو مكاسب واضحة؛ خاصة مع التصريحات الداعمة من “كريستين لاجارد” التي عززت دور العملة الموحدة كخيار استراتيجي بديل للدولار في احتياطيات النقد العالمية.
ومع ذلك، فإن الارتفاع المبالغ فيه للعملة قد ينقلب إلى عبء، خاصة في أسواق الصرف. إذ تفرض قوة اليورو تحديات معقدة على السياسة المالية في العواصم الأوروبية والتوجهات النقدية في “ستراسبورغ”. فعلى مدار الأشهر الماضية، استقر التضخم وأسعار الفائدة في حالة توازن دقيق، مما منح البنك المركزي رفاهية البقاء بعيداً عن التدخل المباشر، لكن هذا الاستقرار بات الآن على المحك.
ما الذي يجعل قوة اليورو المفرطة مصدر قلق؟
رغم الجاذبية المعنوية للعملة القوية كأداة احتياط، إلا أنها تضرب التنافسية الاقتصادية وفرص النمو في مقتل. فمن ناحية، تصبح السلع الأوروبية المصدرة مكلفة وصعبة التسويق عالمياً، بينما تزداد جاذبية المنتجات المستوردة لرخص ثمنها أمام المستهلك المحلي. ومع اضطرار الشركات لمواجهة تراجع هوامش الربح أو فقدان حصصها السوقية، يتباطأ النمو الاقتصادي؛ وبالنسبة لكيان مثل الاتحاد الأوروبي يصارع لتحقيق نمو طفيف، فإن هذا يمثل تهديداً مباشراً لاستدامة السياسات العامة.
أما على طاولة البنك المركزي، فإن هذا الوضع يفتح باباً لمشاكل إضافية؛ فانخفاض فواتير الاستيراد يؤدي آلياً إلى تراجع أسعار المستهلكين، كما أن برود النشاط الاقتصادي يقلص الطلب، مما يضعف الضغوط السعرية. وتجد المصانع والشركات المحلية نفسها مجبرة على خفض أسعارها لمجاراة الواردات الرخيصة، وهو ما قد يدفع بمعدلات التضخم للهبوط دون المستويات المستهدفة التي يسعى البنك المركزي للحفاظ عليها.
ضرورة إنعاش النشاط الاقتصادي
تتمثل المهمة الجوهرية للبنوك المركزية في الحفاظ على تضخم معتدل لضمان استقرار القوة الشرائية وتحفيز النمو. فخسارة العملة لجزء بسيط من قيمتها سنوياً تشجع الأفراد على الإنفاق والتدوير بدلاً من الادخار السلبي، ولهذا تستهدف أغلب المصارف تضخماً قرب 2%. وإذا انحدر التضخم دون هذا المستوى، فقد يصاب الاقتصاد بالشلل، مما يضع صناع القرار تحت مقصلة النقد الاقتصادي لتحميلهم مسؤولية الركود.
وللبنك المركزي الأوروبي تاريخ طويل من الصراع مع “التضخم المنخفض للغاية” الممتد لعقود، نظراً للظروف الهيكلية في القارة التي كبحت الانطلاق الاقتصادي. وإذا تضخمت قيمة اليورو بسرعة فائقة، فقد تنجرف معدلات التضخم في المنطقة تحت المستوى المطلوب. ومن المتوقع أن تبدي “ستراسبورغ” حساسية مفرطة تجاه هذا الاحتمال، خاصة وأن الأمر تطلب أزمة عالمية كبرى لإخراج أوروبا من دوامة الركود الانكماشي. وبناءً عليه، قد يضطر المركزي الأوروبي لخفض الفائدة كخطوة استباقية لإضعاف اليورو إذا وجد أن قيمته باتت تشكل عائقاً أمام الاقتصاد.
متى تبدأ ساعة التيسير النقدي؟
في الوقت الراهن، يلتزم البنك المركزي الأوروبي بموقف “المراقب الحذر”، لكنه بدأ بالفعل في إرسال إشارات تحذيرية؛ وهذا ما يسمى بـ “التدخل اللفظي”، حيث يلمح المصرف لوجود سقف سعري غير معلن، مما يزرع التردد في نفوس المضاربين قبل دفع العملة لتجاوز منطقة 1.2000.
وطالما بقي زوج اليورو مقابل الدولار تحت هذا الحاجز، قد يفضل البنك المركزي التزام الصمت والحياد. لكن أي اختراق صعودي متسارع فوق 1.2000 قد يستدعي تصريحات أكثر حدة وصرامة لدفع الزوج نحو الأسفل؛ لذا، يُنصح المتداولون بتوخي الحذر الشديد قبل بناء مراكز شرائية طويلة الأمد في ظل هذه التهديدات المبطنة من صانع السياسة النقدية. هل تود الاستفادة من آراء الخبراء في التداول؟ قم بفتح حسابك الآن


