مكتبة التداول

إيران وجرينلاند: جبهات جيوسياسية تعيد القلق إلى أسواق العملات

0 16

بينما كانت الأسواق قد بدأت تهدأ تدريجيًا بعد استيعاب تداعيات التطورات الأخيرة في فنزويلا، عادت المخاطر الجيوسياسية لتفرض نفسها مجددًا، ما قد يُبقي المتعاملين في حالة ترقّب وحذر مع اقتراب عطلة نهاية الأسبوع. في إيران، اندلعت موجة احتجاجات تُعد الأوسع منذ سنوات. تزامنًا مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمح فيها إلى احتمال عودة التدخل الأمريكي. هذه التطورات تعيد فتح ملف عدم الاستقرار في المنطقة، وتطرح تساؤلات حول انعكاساتها المحتملة على تدفقات المخاطرة في الأسواق العالمية. وفي مسار موازٍ، أعاد ترامب إلى الواجهة ملف جرينلاند، مجددًا الحديث عن ضمّها أو على الأقل توسيع النفوذ الأمريكي فيها. وهو ما قد يرفع منسوب التوتر مع الاتحاد الأوروبي. هاتان الجبهتان، مجتمعتين، قد تمثلان مصدر ضغط إضافي على أسواق العملات، في وقت لا تزال فيه الشهية للمخاطرة هشّة، وتتحرك فيه التدفقات المالية بحساسية عالية تجاه أي تطور سياسي مفاجئ.

عقب التقدم الذي حققته واشنطن في قضية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي لم يحظَ باعتراف دولي واسع بعد اتهامات التزوير في الانتخابات الماضية بدأت الإدارة الأمريكية توجّه اهتمامها نحو ملفات إقليمية أخرى. ومن أبرزها كولومبيا، حيث اتفق الرئيس غوستافو بيترو على لقاء مع ترامب في واشنطن لمناقشة قضايا الهجرة وتهريب المخدرات. وتعكس هذه التحركات استراتيجية واضحة لإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في نصف الكرة الغربي. مع احتمال أن يكون لها أثر أعمق على إعادة ضبط العلاقات مع أوروبا في المستقبل القريب.

لماذا جرينلاند تحديدًا؟

لم يعد خافيًا أن إدارة ترامب شرعت في تقليص التزاماتها التقليدية تجاه أوروبا، وسط انتقادات متكررة لانخفاض مساهمة الدول الأوروبية في الإنفاق الدفاعي. وهي ملاحظات عبّر عنها علنًا حتى نائب الرئيس جي دي فانس. هذا المسار يعكس، على المستوى العملي، توجّهًا أمريكيًا متزايدًا نحو التركيز على المجال الجغرافي الأقرب. ويتجلّى ذلك في تكثيف الحضور داخل القارة الأمريكية نفسها: من دعم الأرجنتين، إلى التحركات في فنزويلا، وصولًا إلى إعادة فتح ملف جرينلاند من جديد.

وتكتسب جرينلاند أهمية خاصة رغم كونها إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع الدنمارك، الشريك في حلف الناتو. فالولايات المتحدة تمتلك هناك بالفعل منشآت جوية وفضائية قرب العاصمة نوك. ما يمنح الجزيرة وزنًا استراتيجيًا يتجاوز حجمها السكاني. في المقابل، أظهرت الصين اهتمامًا متناميًا بالمنطقة، حيث لها حضور في قطاع المعادن النادرة. وكانت قد سعت في وقت سابق إلى شراء منشآت عسكرية مهجورة قبل أن ترفض الدنمارك تلك الخطوة. ويضاف إلى ذلك البعد العسكري البحري. إذ يُنظر إلى الساحل الغربي لجرينلاند باعتباره مسارًا محتملًا لغواصات روسية تنطلق من قاعدة مورمانسك باتجاه السواحل الشرقية للولايات المتحدة.

ماذا بعد؟

من المنتظر أن يتوجّه وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إلى كوبنهاغن خلال الأسبوع المقبل، في خطوة يُرجّح أن تحمل معها طرحًا أمريكيًا محدّثًا حول المصالح الاستراتيجية في جرينلاند. ورغم أن ترامب كان قد أعلن صراحة رغبته في “شراء” الجزيرة وهو تصريح قوبل برفض دنماركي حاسم إلا أن السيناريو الأقرب للواقع لا يتمثل في صفقة بيع. بل في توسيع الحضور الأمريكي من خلال ترتيبات عسكرية جديدة أو إنشاء قواعد إضافية.

مع ذلك، فإن أي توجه يتسم بالتصعيد قد يؤدي إلى تعميق التوتر مع الاتحاد الأوروبي، الذي يساند الموقف الدنماركي ويؤكد على سيادة الدنمارك وحق جرينلاند في إدارة شؤونها الذاتية. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أمام معادلة دقيقة، تسعى فيها إلى تعزيز نفوذها الاستراتيجي دون دفع علاقاتها الأوروبية إلى مزيد من الاحتقان. تواصل الأسواق متابعة الوضع في إيران عن كثب. إذ تواجه البلاد الغنية بالنفط ضغوطًا اقتصادية كبيرة ناجمة عن العقوبات والجفاف. ما تسبب بنقص حاد في الإمدادات الأساسية بالعاصمة طهران. رغم أن الاحتجاجات وقمعها ليسا بالأمر الجديد، إلا أن هذه الموجة تكتسب أهمية استثنائية بسبب اتساع نطاقها وتحذير ترامب للسلطات الإيرانية بعدم إطلاق النار على المحتجين. حتى الآن، أسفرت الأحداث عن مقتل 42 شخصًا.

كيف قد ينعكس ذلك على أسعار النفط؟

تصاعدت في الأيام الأخيرة التكهنات حول إمكانية أن تفضي الاحتجاجات إلى تحولات سياسية أعمق داخل إيران. في وقت لجأت فيه السلطات إلى قطع الإنترنت للحد من تدفق المعلومات، ما زاد من ضبابية المشهد وصعّب على الأسواق قراءة ما يجري بدقة. إلا أن مصدر القلق الحقيقي لدى المتعاملين لا يرتبط بالداخل الإيراني فقط. بل بما قد يحمله أي انزلاق للتوتر نحو مواجهة عسكرية تمسّ مضيق هرمز. وهو الشريان الذي يمر عبره ما يقارب خُمس الإمدادات النفطية العالمية.

من هنا، تبقى السيناريوهات مفتوحة على اتجاهين متعاكسين. فاستمرار التصعيد واتساع رقعة الاضطرابات قد يدفع المستثمرين إلى تبنّي نهج العزوف عن المخاطرة. ما ينعكس عادةً بدعم صعودي لأسعار النفط. في المقابل، أي تهدئة مفاجئة أو احتواء سريع للأزمة قد يعيد بوصلة السوق نحو ملف فائض المعروض العالمي. كما أنه قد يضع الأسعار مجددًا تحت ضغط هبوطي. الأيام القليلة المقبلة ستكون مفصلية، وقد تجعل من إيران نقطة الارتكاز الأساسية في تسعير النفط مع بداية الأسبوع المقبل.

افتح حسابك مع أوربكس الآن واختبر استراتيجيتك حول أسعار النفط!

Leave A Reply

Your email address will not be published.