البنك المركزي الأوروبي يُبقي أسعار الفائدة دون تغيير!
سجّل اليورو مكاسب لافتة خلال الأسبوع الماضي، مدفوعًا بتنامي قناعة المتعاملين بأن الخطوة التالية للبنك المركزي الأوروبي قد تكون التوجه نحو رفع أسعار الفائدة. غير أن التساؤل الأبرز يبقى حول ما إذا كان البنك سيعكس هذا التوجه بشكل مباشر أو غير مباشر في اجتماعه المرتقب. وتجمع الأسواق ومعظم الاقتصاديين على أن البنك المركزي الأوروبي سيُبقي أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الرابعة على التوالي خلال اجتماع يوم الخميس. ومع استقرار هذه التوقعات إلى حدٍّ كبير، فإن ردّة فعل الأسواق لن تتوقف على القرار نفسه بقدر ما ستتأثر بنبرة البنك وإشاراته المستقبلية. وما إذا كانت تحمل أي تحول في مسار السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.
تُظهر المعطيات وجود فجوة واضحة بين رؤية الاقتصاديين وما تعكسه تحركات الأسواق. فوفقًا لأحدث استطلاع أجرته وكالة رويترز، يجمع الاقتصاديون على أن البنك المركزي الأوروبي سيُبقي أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام المقبل. في المقابل، بدأت الأسواق خلال الأسبوع الماضي بتسعير احتمال تنفيذ رفع للفائدة بحلول أكتوبر 2026. وهو ما يعكس تحولًا تدريجيًا في توقعات المستثمرين نحو تبنّي سيناريو أكثر تشددًا في سياسة البنك النقدية.
لماذا يُنظر إلى البنك المركزي الأوروبي على أنه أكثر تشددًا؟
بعد سنوات من بقاء التضخم أعلى بكثير من المستوى المستهدف، نجح البنك المركزي الأوروبي في إعادته إلى نطاق السيطرة. ليستقر منذ ذلك الحين عند مستويات تفوق الهدف بقليل. وبالمقارنة مع ذروة التضخم في عام 2022، يمكن القول إن الوضع الحالي يبدو أكثر راحة واستقرارًا نسبيًا. ومع ذلك، يتعامل البنك المركزي الأوروبي عادةً بمرونة مع الانحرافات المحدودة عن الهدف، سواء كانت أعلى أو أدنى منه. لكن استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف لفترة مطوّلة، من دون أن يعقب ذلك تراجع دونه لتعويض هذا الارتفاع، قد يفرض على البنك اتخاذ خطوة تصحيحية في مرحلة ما.
ويبدو أن هذا التصور يحظى بدعم متزايد من جانب عدد من المحللين، بل ومن بعض صانعي السياسة داخل البنك نفسه. فقد أشارت إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، في تصريحات سابقة هذا الشهر، إلى أنها لا ترى إشكالًا في التوقعات التي ترجّح أن تكون الخطوة التالية رفع أسعار الفائدة. وهو ما أعاد فتح باب التساؤلات حول ما إذا كان البنك، بدلًا من التركيز على خفض الفائدة لدعم اقتصاد يعاني من تباطؤ. قد يجد نفسه مضطرًا إلى تبنّي مسار أكثر تشددًا في المرحلة المقبلة.
كيف سيتعامل البنك المركزي الأوروبي مع التضخم؟
يظل رفع أسعار الفائدة الوسيلة الأكثر مباشرة لمواجهة التضخم، لكنه خيار يحمل في طياته كلفة واضحة. إذ إن تشديد السياسة النقدية غالبًا ما يترك أثرًا سلبيًا على وتيرة النمو. ولهذا، قد لا يكون البنك المركزي الأوروبي متحمسًا لاتخاذ خطوات حادة في وقت لا يزال فيه اقتصاد منطقة اليورو يعاني من قدر من الضعف. في المقابل، تتوقع الأسواق تحسنًا تدريجيًا في النشاط الاقتصادي خلال العام المقبل. وهو ما قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية، خاصة مع ظهور إشارات أخيرة تفيد بعودة التضخم إلى مسار صاعد. هذا الواقع يضع البنك أمام معادلة دقيقة بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.
وبدلًا من التحرك الفوري عبر أسعار الفائدة، قد يفضل البنك في المرحلة الحالية الاعتماد على أدواته التواصلية. لا سيما التوجيه اللفظي، في محاولة لتوجيه توقعات الأسواق وخفض التضخم تدريجيًا نحو المستوى المستهدف. وفي هذا الإطار، قد تلجأ رئيسة البنك، كريستين لاغارد، إلى تبنّي نبرة أكثر تشددًا عقب الاجتماع المقبل. وذلك بهدف احتواء الضغوط التضخمية قبل أن تتطلب تدخلًا أكثر صرامة.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
يُعزى الارتفاع الأخير في زوج اليورو/الدولار إلى تزايد التوقعات بأن يعتمد البنك المركزي الأوروبي نبرة أكثر تشددًا في المرحلة المقبلة. وبناءً على ذلك، فإن اكتفاء البنك بتكرار رسائله السابقة من دون أي تعديل قد يدفع الأسواق إلى ردّة فعل سلبية. خلال الاجتماعات الماضية، دأبت كريستين لاغارد على التأكيد أن التضخم ومستويات أسعار الفائدة «في وضع مناسب». وإذا ما كررت هذا التوصيف من دون الإشارة إلى أي مخاوف واضحة بشأن أسعار المستهلكين. فقد تفسر الأسواق ذلك على أنه ميل نحو التيسير النقدي.
في المقابل، فإن التخلي عن هذه العبارة، أو إعادة صياغتها بأسلوب يعكس قلقًا متزايدًا من التضخم. قد يُنظر إليه كإشارة على تحول في موقف البنك نحو نهج أكثر تشددًا. وفي حال بدأ المستثمرون بالتركيز على توقيت رفع أسعار الفائدة بدلًا من استبعاده. فقد يشكّل ذلك عامل دعم لليورو أمام الدولار حتى نهاية العام.


