هل تؤثّر التوترات بين الصين واليابان في قيمة الين الياباني؟
شهد الين الياباني مسارًا هابطًا خلال الشهر الماضي، إلا أن وتيرة هذا الضعف تسارعت بشكل لافت يوم الأربعاء. إذ ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الين إلى مستويات لم تُسجّل منذ شهر يناير، واقترب من اختراق قمة العام فوق نطاق 158. ويأتي هذا التطور على خلاف الصورة التقليدية للين باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات توتر الأسواق.
منذ مطلع الأسبوع، سيطرت على السوق موجة عزوف عن المخاطر مع ترقّب نتائج شركة «إنفيديا». وتبدو المؤشرات الأمريكية مُسعَّرة عند مستويات مرتفعة على نحو استثنائي بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي. فيما يخشى المتداولون من ضيق قاعدة النمو، إذ لا تشهد معظم الأسهم ارتفاعًا مماثلًا لأسهم التكنولوجيا. وفي ظل ازدياد المؤشرات الدالة على الضغوط الاقتصادية، تزداد المخاوف من حدوث تصحيح سعري واسع. وقد تؤدي هذه المخاوف بحد ذاتها إلى خلق بيئة تحقق التوقعات السلبية.
لماذا يضعف الين؟
بالنظر إلى حالة النفور العالمي من المخاطرة مطلع الأسبوع، كان من الطبيعي أن يُقبل المستثمرون على الين باعتباره أداة تحوُّط آمنة، إلا أن ما حدث كان عكس ذلك؛ إذ قام المستثمرون بسحب أصولهم من السوق اليابانية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى عمليات جني الأرباح بعد الأداء القوي لمؤشر «نيكّي» خلال الصيف.
غير أن السبب الأعمق يرتبط بالتغير في السياسة المالية تحت قيادة رئيسة الوزراء الجديدة سانائي تاكايتشي. فقد توقعت الأسواق نهجها المالي المائل للتوسّع، وبدأ الين يضعف منذ اللحظة التي أصبحت فيها المرشحة الأوفر حظًا لقيادة الحكومة قبل أشهر. وقد عززت خطواتها الأخيرة هذا الانطباع، ما أبقى الين تحت ضغط مستمر.
التوتر مع الصين يضيف بُعدًا جيوسياسيًا يثقل على الين
إلى جانب السياسة التحفيزية الداخلية، تُوصف تاكايتشي بأنها ذات توجه «متشدد» في السياسة الخارجية. بل يصنفها بعض المحللين ضمن المدرسة «المفرطة في المحافظة». وتُعد التطورات الأخيرة مع الصين مثالًا واضحًا على هذا التحول، خلافًا لنهج عدد من القادة السابقين الذين سعوا إلى تهدئة العلاقات بين أكبر اقتصادين في آسيا.
وتزداد حساسية الموضوع لأن الصين هي الشريك التجاري الأكبر لليابان. وقد أثارت تاكايتشي جدلًا واسعًا الأسبوع الماضي عندما أكدت أن اليابان ستدافع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم صيني. الأمر الذي استدعى ردًا حادًا من ممثل الصين في طوكيو. وتحوّل التوتر اللفظي إلى إجراء اقتصادي مباشر يوم الأربعاء، مع إعادة فرض الصين قيودًا على واردات المنتجات البحرية اليابانية. وتدل هذه التطورات على أن القيادة اليابانية الجديدة، المتقاربة سياسيًا مع إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، قد تدفع بالعلاقات التجارية مع الصين نحو مزيد من التوتر.
هل يواصل الين الانخفاض؟
رغم أن التطورات الجيوسياسية قد تُوقف تراجع الين مؤقتًا، فإن العامل الأكثر تأثيرًا سيظل مرتبطًا بالسياسة المالية والنقدية. فقد حاول وزير المالية الياباني ساتسوكي كاتاياما يوم الأربعاء الإيحاء برغبة الحكومة في دعم الين، وذلك بعد أيام فقط من تأكيد زيادة الإنفاق التحفيزي. كما أدلى محافظ بنك اليابان كازو أويدا بتصريح نادر في سوق الصرف. مؤكدًا أن الحكومة تشعر بـ«درجة عالية من القلق» تجاه ضعف الين.
وقد تُشير هذه التصريحات إلى أن الحكومة تقترب من التدخل المباشر لتهدئة ارتفاع الدولار مقابل الين. ما لم يحدث تطور خارجي يساعد على ذلك؛ وتحديدًا إذا قام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة، الأمر الذي سيقلّص فارق العائد بين البلدين ويضغط على قوة الدولار. وهو ما قد يخفف من وتيرة هبوط الين.


