لماذا ينبغي على متداولي العملات متابعة تراجع سوق العملات الرقمية؟
تُعدّ العملات الرقمية وفي مقدّمتها «البيتكوين» في جوهرها أصولًا نقدية، ما يجعلها نظريًا جزءًا من سوق العملات. ورغم ذلك، يتركّز اهتمام أغلب متداولي الفوركس على العملات التقليدية الراسخة، ولا سيما ما يُعرف بـ العملات الرئيسية، بينما نادرًا ما ينعكس ما يحدث في سوق الأصول الرقمية مباشرة على أزواج العملات الكبرى.
ومع ذلك، فإن حركة العملات الرقمية كثيرًا ما تحمل إشارات مبكرة لحالة السوق المالية عمومًا؛ فبعض العوامل التي تؤثر في الأصول المبنية على «بلوكتشين» تظهر فيها أولًا أو بصورة أشد قبل انتقالها إلى الأصول التقليدية. وبسبب الطبيعة شديدة المضاربة لهذه العملات، حتى العملات المعروفة منها، فإنها تتفاعل بسرعة مع أي تغيّر مفاجئ في شهية المخاطرة أو توقعات السيولة.
مؤشر الخوف… قراءة لمدى توتر الأسواق
يمكن لتزايد تقلبات «البيتكوين» أن يشير إلى تغيّرات قادمة في ظروف السوق. لكن قد تُصدر هذه التقلبات إشارات مضللة أحيانًا، ولهذا ينبغي انتظار دلائل إضافية من مؤشرات أخرى. فالهبوط الحاد الذي شهدته العملة هذا الأسبوع قد يُمثل مؤشرًا على ضغط سيولة أو توتر عام في الأسواق، سواء انتهى ذلك بهبوط ممتد أو تحول إلى فرصة «شراء عند الانخفاض».
وفي بداية الأسبوع، تراجع مؤشر «الخوف والطمع» الصادر عن شبكة «سي. إن. إن» إلى منطقة الخوف الشديد، متأثرًا بالتقلبات المرتفعة. وترافقت هذه الأجواء مع مؤشرات أخرى على تشدد السيولة خلال الشهر الماضي، رغم استمرار الزخم في أسهم الذكاء الاصطناعي. وتأخذ هذه الإشارات شكل تقلبات أكبر ونطاقات تداول واسعة، ما يزيد من حالة عدم اليقين ويدفع المستثمرين إلى الأصول منخفضة المخاطر، فتزداد قراءة مؤشر الخوف.
كيف يكشف تراجع البيتكوين عن أزمة سيولة؟
في العادة، تبدأ الانهيارات السوقية بـ أزمة سيولة؛ حيث يحاول المستثمرون البيع لكنهم يفشلون في إيجاد مشترين، فيضطرون لخفض الأسعار. وإذا لم يظهر مشترون، تُخَفَّض الأسعار أكثر، ويبدأ المتداولون ببيع أصول أخرى خوفًا من تآكل الهوامش. ويستمر هذا المسار طالما ظلت السيولة غائبة؛ فإذا لم يكن لدى المتداولين سيولة (نقد)، فلن يتمكنوا من الشراء، وبالتالي لا خيار أمام الأسعار إلا الهبوط.
وفي المراحل الأولى من أزمة السيولة، عادة ما يتجه المستثمرون إلى التخلص من الأصول الأكثر خطورة لجمع السيولة بسرعة. وهذا يفسّر ضعف الأسهم عالية التقييم، وكذلك الأصول شديدة المضاربة مثل «البيتكوين». ولأن العملة الرقمية حققت مكاسب قوية خلال العامين الماضيين، فإن بيعها يصبح الخيار الأسرع للمستثمرين الباحثين عن سيولة. وبالتالي، فإن الهبوط السريع للعملات الرقمية قد يسبق أزمة السيولة وتحوّل الاتجاه العام للأسواق.
كيف يتصرف المتداولون في مثل هذا الوضع؟
قد يرى بعض المتعاملين أن الهبوط الحالي مجرد تراجع مؤقت، فيسعون إلى الشراء عند الانخفاض، وقد ينجح هذا النهج كما حدث في شهر أبريل عندما أدت الرسوم الجمركية إلى موجة بيع. لكن في المقابل، قد يكون ما نراه بداية تصحيح واسع، خصوصًا في ظل القلق من التقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا. فمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» يُتداول حاليًا عند نسبة سعر إلى ربح تقارب ثلاثين مرة، أي ما يعادل ضعف المتوسط على المدى المتوسط. ولكي تستوعب هذه التقييمات، ينبغي إما مضاعفة أرباح الشركات الأميركية سريعًا، أو أن تتراجع أسعار الأسهم لتتلاءم مع الاتجاهات التاريخية.
ومهما كان الوصف الدقيق للحالة الراهنة تراجعًا عابرًا أم تصحيحًا أم بداية مرحلة أصعب فإن أسواق العملات لن تبقى بمنأى عنها. وفي أوقات الاضطراب، يتجه المستثمرون عادة نحو ما يعتبرونه ملاذًا آمنًا، مثل الدولار الأميركي والفرنك السويسري المدعوم بالذهب. وإذا انحسرت هذه التوترات سريعًا، فقد نشهد انعكاسًا في تحركات تلك العملات، إلى جانب تراجع في الطلب على الذهب.


