قوة الدولار رغم الرهانات على تراجعه!
ارتفع الدولار الأمريكي خلال الجلسات الثلاث الماضية رغم عدم إحراز أي تقدم ملموس في إعادة فتح الحكومة الأمريكية. وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب على الأصول الآمنة، مما دفع أسعار الذهب لتتجاوز حاجز 4000 دولار للأونصة. وقد يبدو من غير المنطقي أن يحافظ الدولار على قوته وسط حالة الاضطراب السياسي وعدم اليقين في واشنطن.
غير أن أسعار العملات تُقاس نسبياً، إذ يجري تداولها في أزواج، ويُقارن سعر كل عملة بسلة من العملات الأخرى. لذلك، فإن ارتفاع سعر عملة ما قد يعني ببساطة أن نظيرتها في الانخفاض. وهذا هو ما يحدث حالياً. فبينما يتعرض الدولار الأمريكي للضغط بسبب الوضع السياسي الراهن، تبدو العملات الرئيسية المقابلة له في حالة أضعف، مما يجعل الدولار يبدو أقوى نسبياً.
اليورو عند أدنى مستوياته منذ عدة أشهر
يشكل اليورو نحو 56% من وزن مؤشر الدولار، لذا فإن قوة أو ضعف الدولار تعتمد بدرجة كبيرة على حركة زوج اليورو مقابل الدولار الأمريكي. وقد تراجع اليورو بسبب الاضطرابات السياسية في فرنسا. فقد قدّم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو استقالته يوم الاثنين، بعد ساعات فقط من تشكيل حكومة رفضتها الجمعية الوطنية على نطاق واسع.
ومنح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس وزرائه 48 ساعة لمحاولة تشكيل حكومة جديدة تحظى بموافقة البرلمان. إلا أن الانقسام السياسي الحاد داخل البرلمان دفع بعض الزعماء السياسيين إلى اعتبار هذه الأزمة فرصة لفرض انتخابات جديدة قد تؤدي إلى فوز اليمين المتطرف المعارض للاتحاد الأوروبي بزعامة مارين لوبان. وترى الأسواق أن فرص نجاح لوكورنو ضئيلة، مما يزيد من احتمالات نشوب أزمة سياسية في أوروبا.
مشكلة الإنفاق
تتمثل المعضلة الأساسية في فرنسا في الإنفاق العام، حيث يتجاوز العجز المالي للحكومة المستهدف الأوروبي بأكثر من الضعف. وقد خسر رئيس الوزراء السابق منصبه بعد محاولته خفض الإنفاق بمقدار 44 مليار يورو لتحقيق التوازن في الميزانية العامة. ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الفائدة طويلة الأجل في فرنسا مع تسعير المتداولين لاحتمال تعثر الحكومة في الوفاء بالتزاماتها المالية. وبسبب الترابط الاقتصادي داخل منطقة اليورو، أدى ذلك إلى ارتفاع العوائد على السندات في أوروبا ككل، مما أضعف قيمة اليورو.
أما في اليابان، فالوضع مختلف من حيث التفاصيل لكنه متشابه في المضمون: الإنفاق الحكومي. إذ يُتوقع أن تزيد رئيسة الوزراء الجديدة سناي تاكائتشي الإنفاق العام في دولة تعد الأعلى عالمياً من حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. وتشكل العملة اليابانية نحو 13.6% من وزن مؤشر الدولار. ومع تشكيل حكومتها وتحديد أولوياتها، يُرجح أن يواصل الين تراجعه، مما يعزز قوة الدولار بالمقارنة.
هل ما زالت استراتيجية “تدهور العملة” فعالة؟
منذ بداية العام، اتجه المتداولون إلى بيع الدولار الأمريكي مقابل شراء أصول في اقتصادات يُتوقع أن تتفوق في الأداء على الاقتصاد الأمريكي. وفي المقابل، لجأ بعض المستثمرين القلقين بشأن تباطؤ الاقتصاد العالمي إلى الملاذات الآمنة مثل المعادن الثمينة. وهو ما يُعرف بتجارة “تدهور العملة”. ونتيجة لذلك، أصبحت مراكز البيع على الدولار مزدحمة للغاية.
وأظهر استطلاع حديث لآراء محللي سوق الصرف أن 75% منهم يتوقعون ضعف الدولار بنهاية العام، نتيجة الاضطرابات السياسية في واشنطن. ورغم أن ذلك يدعم أسعار الذهب، إلا أن استمرار هذا الاتجاه يعتمد على بقاء عملات أخرى مثل اليورو والجنيه الإسترليني والين قوية نسبياً. لكن في ظل الأزمات السياسية التي تواجه تلك الاقتصادات، من المحتمل أن تتراجع عملاتها بوتيرة أسرع من الدولار الأمريكي. مما يمنحه قوة نسبية أكبر.


