العلاقة بين الذهب والدولار الأمريكي!
ما الذي يجب أن يعرفه المتداولون لاتخاذ قرارات مربحة؟
ارتبط الذهب والدولار الأمريكي بعلاقة معقدة لقرون، جذبت اهتمام الاقتصاديين والمستثمرين على حد سواء. فكلاهما يُعتبر ملاذاً آمناً في فترات عدم اليقين، غير أن حركتهما كثيراً ما تسير في اتجاهين متعاكسين، بحيث يصعد أحدهما على حساب الآخر. إدراك آلية هذا الترابط وتأثيره على الأسواق يمنح المستثمر أداة قوية لاتخاذ قرارات مدروسة، لا سيما في فترات التقلبات الاقتصادية.
يرتبط تسعير الذهب بالدولار الأمريكي باعتباره العملة الاحتياطية المهيمنة في النظام المالي العالمي، ما يخلق علاقة مباشرة بينهما. ببساطة، قوة الدولار تعني أن شراء الذهب يصبح أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الدوليين، فيتراجع الطلب وتنخفض الأسعار. أما ضعف الدولار، فيجعل الذهب أكثر جاذبية وأقل تكلفة، مما يرفع مستويات الطلب ويدفع الأسعار للصعود.
محركات العلاقة بين الذهب والدولار
أبرز العوامل المؤثرة يتمثل في التضخم وسياسات أسعار الفائدة. فعندما تتسارع معدلات التضخم، تتآكل القوة الشرائية للدولار، فيلجأ المستثمرون إلى تداول الذهب كأداة تحوط، ما يدفع الأسعار نحو الارتفاع. أما أسعار الفائدة، فهي رافعة أساسية لهذه المعادلة. فحين يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة، يتعزز الدولار عادة بفعل تدفق رؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى. هذا بدوره يضغط على الذهب هبوطاً. وعلى العكس، فإن خفض الفائدة يضعف جاذبية الأصول الأمريكية للمستثمرين الأجانب، فيتراجع الطلب على الدولار ويرتفع الذهب.
كما تلعب الأحداث الاقتصادية والجيوسياسية دوراً محورياً. ففي أوقات الركود أو الأزمات المالية العالمية، يميل المستثمرون إلى التخلي عن الأصول عالية المخاطر والتوجه نحو الذهب، كما حدث أثناء جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية. وعندما تكون الأزمات داخل الولايات المتحدة نفسها، مثل تدهور بيانات الوظائف أو ارتفاع البطالة، يتعرض الدولار للضغط بينما يتحرك الذهب صعوداً.
شهد مؤشر الدولار مؤخراً عمليات بيع حادة بعد تراجع بيانات التوظيف، فيما الذهب مكاسبه.
على مدار العامين الماضيين، حافظ الذهب على اتجاه صاعد قوي. ويُعزى ذلك جزئياً إلى تزايد مشتريات البنوك المركزية حول العالم، والتي رفعت احتياطياتها من الذهب بوتيرة غير مسبوقة منذ عام 2022. ويبدو أن هذه الاستراتيجية تمثل “خطة بديلة” في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية عالمياً. دخول البنوك المركزية بهذا الزخم إلى سوق الذهب ساهم في دفع أسعار الذهب إلى مستويات أعلى.
إلى جانب ذلك، يحتفظ الذهب بدوره التاريخي كأداة تحوط ضد التضخم، إذ تميل العملات الورقية إلى فقدان قيمتها مع مرور الوقت، في حين يظل الذهب محافظاً على قيمته وطلبه المستمر. وقد كان لتقلبات التضخم في السنوات الأخيرة، خاصة منذ جائحة 2020، دور في تعزيز هذا التوجه.
فرص التداول خارج إطار مؤشر الدولار
لا يقتصر الأمر على متابعة مؤشر الدولار، إذ تتأثر أزواج العملات الرئيسية التي تضم الدولار بشكل مباشر. فعندما يتراجع الدولار، تستفيد العملات المنافسة مثل اليورو والين، ما يتيح فرصاً إضافية للتداول.
قفز اليورو أكثر من 150 نقطة أمام الدولار فور صدور بيانات الوظائف الأمريكية الأخيرة.
الذهب كملاذ آمن… ولكن إلى متى؟
السؤال المطروح حالياً: ما هو المسار القادم للذهب؟ في ظل الضغوط التضخمية، والمشتريات القوية من البنوك المركزية، والسياسات الأمريكية غير المتوقعة، يرى بعض المحللين أن أسعار الذهب قد تقترب من مستوى 4,000 دولار للأوقية بحلول نهاية 2025.
استمرار الركود أو تصاعد النزاعات التجارية العالمية قد يكون كافياً لدفع المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية جديدة، خاصة وأن الأخبار الاقتصادية الكبرى الأخيرة كانت كافية لإحداث قفزات سعرية ملحوظة. لكن مع الارتفاع السريع في الأسعار، يتساءل البعض: هل نحن على أعتاب تصحيح سعري حاد؟
هل تقترب الفقاعة من الانفجار؟
يتوقع بعض المحللين أن الذهب قد يتراجع في مرحلة ما، خصوصاً إذا تجنبت الولايات المتحدة الدخول في ركود، وحققت معدلات نمو تتفوق على الاقتصادات الكبرى الأخرى بحلول 2026، مما سيعزز جاذبية الدولار على حساب الذهب. وقد يكون الذهب الآن قريباً من ذروته، ما يعني أن الدخول المتأخر في السوق سعياً وراء أرباح سريعة قد يخيّب آمال الكثيرين. ويحذر آخرون من أن الانجذاب المفرط لشراء الذهب بفعل العناوين الإعلامية قد يؤدي إلى خسائر إذا انعكس اتجاه السوق.
بإيجاز، كما هو الحال مع أي فقاعة مالية، فإن الانفجار محتمل عاجلاً أو آجلاً. لكن متابعة التطورات الاقتصادية الأساسية تمنح المتداولين القدرة على التحرك بذكاء، وحماية مراكزهم. إضافةً إلى اتخاذ القرارات في الوقت المناسب لضمان بقاء الصفقات في مأمن من تقلبات السوق.




