كيف يتهرب بعض الأثرياء من دفع الضرائب؟
الضرائب هي مبالغ مالية تفرضها الدولة على الأفراد والشركات بغرض تمويل الخدمات العامة، مثل الرعاية الاجتماعية وتطوير البنية التحتية ودعم السلع الأساسية لتوفيرها للمواطنين بأسعار معقولة. تتنوع أنظمة الضرائب بين تلك التي تزداد مع زيادة الدخل أو الأرباح، وتلك التي تكون ثابتة لجميع المواطنين. إضافةً إلى الأنظمة التي تفرض ضرائب غير مباشرة على السلع أو المبيعات بدلاً من فرضها على الدخل مباشرة. كما أن هنالك دول تتميز بانخفاض أو غياب الضرائب تماماً وهي ما تُعرف بدول الـ “ملاذ الضريبي”.
هذا التباين في أنظمة الضرائب يوفر للأثرياء من رجال الأعمال والفنانين والرياضيين فرصًا للتحايل على دفع الضرائب باستخدام طرق قد تبدو قانونية من الناحية الظاهرة، إلا أنها غير منصفة وتتجاوز الحدود القانونية المنصوص عليها. فما هي الأساليب التي يستخدمها هؤلاء لتجنب دفع الضرائب؟
الشركات الوهمية
يقوم البعض بإنشاء شركات وهمية في دول تُعرف بأنها “ملاذات ضريبية“ مثل سويسرا ولوكسمبورغ وبرمودا وغيرها. هذه الشركات لا تمارس أي نشاط تجاري حقيقي، بل يتم استخدامها لتحويل الأموال بينها وبين البلدان الأخرى بهدف تقليل العبء الضريبي. من خلال هذه الطريقة، يمكن للأثرياء تقليص الضرائب المستحقة عليهم بنسبة قد تصل إلى 30-50%. خاصةً إذا كانوا يمتلكون العديد من الشركات أو يمتلكون حصصًا في أسهمها. كما قد يلجأ بعض الأفراد إلى فتح حسابات مصرفية في دول ذات قوانين ضريبية مرنة. مما يتيح لهم إخفاء أموالهم وأصولهم عن السلطات الضريبية في بلدانهم الأصلية وتفادي دفع الضرائب المستحقة.
مثال مُبسط:
الضريبة تُحتسب بناءً على صافي الربح، ولهذا السبب قد يسعى بعض المستثمرين للتحايل عليها بإنشاء شركات في دول مختلفة. يتم اختيار هذه الدول بعناية: البلد الأول مخصص للتصنيع ويتميز بتسهيلات استثمارية وتكاليف عمالية منخفضة، بينما تكون الدولة الثانية ملاذًا ضريبيًا (حيث الضرائب منخفضة أو معدومة). يقوم المستثمر ببيع إنتاجه للشركة في الدولة الثانية بسعر التكلفة لتفادي دفع الضرائب، ومن ثم تبيع الشركة الثانية البضاعة إلى الشركة الثالثة بسعر أعلى. حيث تقوم الشركة الأخيرة ببيع البضاعة في الأسواق بنفس سعر التكلفة. وبالتالي، يتم تسجيل الأرباح على الورق بأنها صفرية في كل مرحلة، مما يؤدي إلى تجنب دفع الضرائب.
على سبيل المثال، تبيع الشركة الأولى بضاعة بقيمة مليون دولار إلى الشركة المتواجدة في دولة الملاذ الضريبي بنفس القيمة. هذا بدوره يؤدي إلى تسجيل أرباح صفرية وبالتالي عدم دفع أي ضريبة. بعدها، تقوم الشركة الثانية ببيع البضاعة بقيمة مليوني دولار إلى الشركة الثالثة، والتي بدورها ستقوم ببيعها في الأسواق بنفس سعر التكلفة (مليوني دولار). مما يعني أيضًا أن أرباحها ستكون صفرية وبالتالي لا تدفع ضرائب. في النهاية، تحقق الشركة المتواجدة في دولة الملاذ الضريبي ربحًا بقيمة مليون دولار دون دفع ضرائب أو بدفع ضرائب منخفضة جدًا.
هذا المثال يوضح الفكرة بشكل مبسط، إلا أن العملية الفعلية قد تتضمن تعقيدات أكبر بكثير.
تزييف قيمة الدخل
تزييف قيمة الدخل هو عملية تهدف إلى تقليل المبلغ الذي يتم الإبلاغ عنه كدخل للأغراض الضريبية، وذلك لتقليل العبء الضريبي المستحق على الأفراد أو الشركات. وتتمثل بعض الأساليب المُتَبَعة بعدم الإبلاغ عن بعض الأرباح المكتسبة من صفقات أو أعمال معينة، مثل عدم تقديم التقارير الصحيحة أو عدم تسجيل المعاملات المالية التي تحقق دخلًا. كما قد يقوم البعض بتصنيف النفقات الشخصية على أنها نفقات تجارية، مثل تكاليف السفر أو شراء سلع شخصية، وبالتالي يتم خصمها من الدخل الكلي مما يقلل من المبلغ الإجمالي المعلن. بالإضافة إلى ذلك، قد تشمل هذه الممارسات إخفاء الأموال المكتسبة من صفقات أو عروض رعاية معينة.
الثغرات القانونية
يستفيد البعض من استراتيجيات ضريبية قانونية لتقليل العبء الضريبي، مثل الاستفادة من الخصومات أو الاعتمادات الضريبية المرتبطة ببعض الاستثناءات كالأعمال الخيرية. كما قد يتمكنون من استغلال الثغرات القانونية في القوانين القديمة أو الإعفاءات الضريبية التي لا تتناسب مع مستويات الدخل. في بعض الأحيان، يعمل الأثرياء على شراء أعمال فنية أو عقارات فاخرة بهدف المطالبة بخصومات ضريبية أو تقليل قيمة الأصول لتقليص الدخل الخاضع للضريبة. ورغم أن هذه الممارسات قد تكون قانونية، فإنها تثير تساؤلات بشأن أخلاقيتها وتأثيرها على النظام الضريبي.
أمثلة لشخصيات مشهورة متهمة بالتهرب الضريبي:
- شاكيرا
تم التحقيق معها في عام 2018 بسبب عدم إعلانها عن إيرادات حقوق الصورة الناتجة عن جولات الحفلات والإعلانات. وقد أسفرت التحقيقات عن تقديم قضية ضدها لتهربها من دفع ضرائب بقيمة 14.5 مليون يورو بين 2012 و2014.
- كريستيانو رونالدو
في 2017، تم اتهامه بالتهرب الضريبي بسبب إخفائه دخلًا قدره 14.7 مليون يورو. ونتيجة لذلك، تم فرض غرامة مالية عليه تبلغ 18.8 مليون يورو.
- هنتر بايدن
في ديسمبر 2023، تم توجيه لائحة اتهام ثانية ضد هانتر بايدن، تتهمه بالفشل في دفع ما لا يقل عن 1.4 مليون دولار من الضرائب الفيدرالية المستحقة عليه عن السنوات الضريبية 2016-2019.
- ليونيل ميسي ووالده خورخي
تم إدانتهما في عام 2006 بسبب استخدام شركات وهمية لإخفاء دخل حقوق الصورة بين 2007 و2009. وقد أسفر ذلك عن فرض غرامات مالية تقدر بحوالي 21 مليون يورو.
- ويسلي سنايبس
تم إدانته في 2008 بسبب عدم دفع الضرائب المستحقة عليه، حيث لم يدفع حوالي 7 ملايين دولار. وقد حكم عليه بالسجن لمدة 3 سنوات، ودفع غرامة بقيمة 17 مليون دولار.
الخاتمة:
التهرب الضريبي يشكل تحديًا كبيرًا للاقتصاد في العديد من البلدان. حيث يؤدي إلى تقليص الإيرادات العامة التي تُخصص لتمويل الخدمات العامة والبنية التحتية. ومع انتشار هذه الممارسات بين الأفراد والشركات ذات القدرات المالية الكبيرة، يصبح من الصعب على الحكومات ضمان عدالة ضريبية لتحسين مستوى حياة المواطنين. يعزز التهرب الضريبي الفجوة الاقتصادية بين الفئات الغنية والفقيرة، مما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي للمجتمع. من هنا تبرز الحاجة الماسة لتطوير قوانين ضريبية أكثر صرامة لحماية الاقتصاد الوطني من آثارها السلبية.
تداول الدولار على ضوء قرار الفيدرالي المنتظر لنسبة الفائدة. افتح حسابك الحقيقي الآن!







