هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي والاقتصاد العالمي!
رغم وجود نحو 180 عملة مُعترف بها كعملة قانونية في الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، إلا أن عدداً قليلاً منها فقط يُستخدم بشكل واسع في المعاملات الدولية. يتصدر الدولار الأمريكي المشهد العالمي في هذا السياق، بينما تظل العملات الأجنبية الأخرى مثل اليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني ذات حضور محدود.
ليبقى السؤال الأهم: ما هو سبب هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي؟ وكيف يتحكم الدولار بالنظام المالي العالمي؟
الجانب التاريخي لقوة الدولار
تعود هيمنة الدولار الأمريكي على الأسواق العالمية إلى تاريخ طويل ومعقد. حيث يشكل جزءًا أساسيًا من النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أسهمت العديد من الأحداث التاريخية في تعزيز قوة الدولار، بدءًا من عام 1944 مع اتفاقية “بريتون وودز”، التي أنشأت نظامًا نقديًا عالميًا جديدًا، بحيث تم ربط معظم العملات الأجنبية بالدولار الأمريكي، والذي كان بدوره مرتبطًا بالذهب بسعر ثابت. هذا النظام جعل الدولار العملة الاحتياطية العالمية الرئيسية.
ولكن مع انهيار نظام “بريتون وودز” في عام 1971 إثر قرار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون تعليق تحويل الدولار إلى ذهب، أصبح الدولار عملة لا ترتبط بأي قيمة مادية ثابتة. ليرتبط بعدها ارتباطًا وثيقًا بأسواق النفط العالمية من خلال التوصل إلى اتفاقيات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لضمان أن تتم جميع معاملات النفط بالدولار الأمريكي. هذا الاتفاق عزز الطلب المستمر على الدولار، حيث أصبحت الدول المستوردة للنفط ملزمة بإتمام صفقاتها النفطية بالدولار. ونتيجة لذلك، أسهمت هذه الظاهرة بشكل كبير في تعزيز الهيمنة العالمية للدولار، مما جعل الاقتصاد الأمريكي يعتمد على استقرار قيمة عملته في الأسواق العالمية.
أهمية الدولار اليوم
يشير الخبير الاقتصادي اللبناني سامي نادر إلى وجود سببين رئيسيين وراء هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي. الأول هو أن الدولار الأمريكي يُعد العملة الأساسية في الأسواق العالمية، خاصةً في قطاع الطاقة. والثاني هو استمراره في الحفاظ على قوته النسبية مقارنة بالعملات الأجنبية الأخرى التي غالبًا ما تكون أقل قوة.
تتمثل أهمية الدولار في عدة جوانب رئيسية:
- الاحتياطات العالمية: يُعتبر الدولار أكثر العملات استخدامًا كاحتياطي عالمي، مما يُسهل على الدول والمؤسسات المالية الاحتفاظ به كأصل احتياطي.
- التجارة الدولية: جزء كبير من المعاملات التجارية الدولية المرتبطة بالسلع الاستراتيجية مثل النفط والمعادن، تتم باستخدام الدولار الأمريكي.
- الاستقرار الاقتصادي: يعكس قوة الدولار قوة الاقتصاد الأمريكي، مما يؤثر بشكل مباشر على قيمة الأصول والأسواق المالية العالمية، خصوصًا في أوقات الأزمات الاقتصادية.
- السياسات النقدية: للبنك المركزي الأمريكي تأثير كبير في الاقتصاد العالمي من خلال تعديل أسعار الفائدة وطباعته للنقد. مما يترتب عليه تأثيرات واسعة على السيولة والاستثمار على مستوى العالم.
- الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة: كوّن الولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد عالمي، يساهم ذلك في زيادة القوة الشرائية للدولار.
تزداد هذه الأهمية في ظل التقلبات الاقتصادية والتأثيرات الجيوسياسية، حيث يلجأ الكثيرون إلى تحويل أموالهم إلى الدولار باعتباره عملة آمنة.
احتمالية أن يكون الدولار في خطر
رغم الهيمنة الراسخة للدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي، هناك محاولات متزايدة من بعض الدول لتقليل اعتمادها عليه. تسعى الدول الناشئة إلى إيجاد آليات للتجارة باستخدام عملات أخرى غير الدولار. في الوقت الذي تعمل دول مجموعة بريكس على إنشاء نظام بديل للتجارة بعيدًا عن العملة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، بعد فرض الولايات المتحدة عقوبات على روسيا وحلفائها في أعقاب الحرب على أوكرانيا، اتجهت إلى استخدام اليوان الصيني مقابل الروبل، بينما تعمل الصين على تعزيز اليوان ليكون بديلاً مقبولاً. بالإضافة إلى ذلك، قد تساهم العملات الرقمية للبنوك المركزية التي تطورها بعض الدول مثل الصين في تقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات الدولية، مما قد يُضعِف من هيمنته بشكل تدريجي.
من جهة أخرى، يُشكل الديّن الأمريكي المرتفع والتضخم المستمر تهديدًا محتملًا لثقة العالم في الدولار. إذا استمرت الولايات المتحدة في مواجهة تحديات اقتصادية كبيرة مثل عجز الميزانية وارتفاع التضخم، فقد يزداد القلق بشأن قدرتها على الوفاء بديونها. هذا قد يؤدي إلى تراجع قيمة الدولار كعملة احتياطية. بالإضافة إلى ذلك، فإن صعود عملات أخرى مثل اليوان الصيني أو اليورو قد يقلل من هيمنة الدولار في المستقبل.
الخاتمة:
يمكن القول إن الدولار الأمريكي لا يزال يهيمن بشكل أساسي على النظام المالي العالمي. مما يجعل من الصعب إنشاء عملة بديلة عالمية. وعلى الرغم من التحديات التي يواجهها الدولار، إلا أنه لا يبدو أن هناك تهديدًا وشيكًا لاستبداله كعملة احتياطية عالمية. ومع ذلك، فإن هذه الاتجاهات قد تؤثر على قوة الدولار على المدى الطويل. وقد يتعين على النظام المالي الأمريكي التكيّف مع هذه التحولات في المستقبل. باختصار، إن تغيير النظام النقدي العالمي هو عملية معقدة تتطلب تنسيقًا دوليًا واسعًا. ومن المرجح أن يواجه هذا التحول العديد من التحديات الكبيرة، ما يعني استمرارية هيمنة الدولار الأمريكي خلال هذه الفترة.

![Credit Card 160×600 [AR]](https://assets.iorbex.com/blog/wp-content/uploads/2023/06/13144511/Blog-Banner_AR-Banner_160X600x2.webp)
