مكتبة التداول

الذهب في مواجهة الحروب: من المنتصر؟

0 201

تشهد المنطقة والعالم حروب ونزاعات مستمرة، يمتد بعضها لسنوات أو حتى عقود، مما يسفر عن تأثيرات سلبية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. فقد انهارت بعض العملات، وارتفعت قيمة أصول أخرى، وتحمّلت الشعوب أعباء إضافية نتيجة زيادة الضرائب وزيادة الأسعار وغيرها من الأزمات. في وسط هذه الفوضى، كان الثابت الوحيد عبر التاريخ هو ميل الناس بغالبيتهم، بغض النظر عن ثقافاتهم وظروفهم الاقتصادية، إلى شراء الذهب كوسيلة فعّالة لحفظ المال، ثم بيعه عند اشتداد الأزمات. فما الذي يجعل الذهب الوسيلة الأفضل لهم في مثل هذه الظروف المتقلبة؟

الذهب كوسيلة للحفاظ على الثروات في الأزمات

يُعتبر الذهب خيارًا آمنًا وموثوقًا عند الناس لعدة أسباب تاريخية واقتصادية. في العصور القديمة، كان الذهب رمزًا للاستقرار حيث تم استخدامه كوسيلة للتبادل بفضل ندرته وثبات قيمته. في الوقت الراهن، وعندما تشتد الأزمات والحروب، تميل الحكومات إلى زيادة الإنفاق وتخفيف القيود النقدية، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم. تؤثر هذه السياسات على الأصول المختلفة مثل الأسهم والسندات، كما تعمل على إضعاف القوة الشرائية للعملات بشكلٍ كبير. يعكس الذهب الموازين في هذه الحالة ويتأثر بهذه المعطيات بطريقة مختلفة بعض الشيء، إذ يزداد الطلب عليه بشكلٍ لافت، مما يرفع من قيمته ويعزز من مكانته، ويجعله أداة فعالة لحفظ الثروة في الأوقات الصعبة ــ هذا ما يُعرف بتقاطع الحروب والذهب، أي ما يخط العلاقة بين المفهومين.

المفاجآت غير المتوقعة:

تشير البيانات عادةً إلى أن الطلب على الذهب يرتفع خلال الأزمات، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار. ومع ذلك، يمكن أن تؤدي السياسات الحكومية إلى نتائج غير متوقعة. ففي الحروب القاسية، تلجأ بعض الحكومات إلى استخدام احتياطات الذهب أو بيعها بكميات كبيرة لتمويل الجهود الحربية أو دعم الاقتصاد. في هذه الحالة، إذا زاد عرض الذهب في السوق بينما ظل الطلب عليه ثابتًا، فقد تنخفض قيمته بشكل ملحوظ.

مثال على ذلك هو الحرب العالمية الأولى، حيث قامت دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والنمسا ببيع احتياطات الذهب لتمويل جهودها الحربية، مما أدى إلى انخفاض أسعار الذهب. ومع ذلك، كان هذا الانخفاض مؤقتًا، إذ تلعب عوامل أخرى مثل التضخم والسياسات النقدية والأحداث العالمية دورًا محوريًا في تحديد أسعار الذهب على المدى الطويل. لذلك، ورغم تراجع سعر الذهب نتيجة بيع الدول الأوروبية الكبرى لمخزون احتياطها، إلا أنه استعاد قيمته تدريجيًا بعد انتهاء الحرب بفضل السياسات الداعمة التي تم اعتمادها من قِبل الحكومات.

تأثير الحروب الأخيرة على أسعار الذهب

الحرب على غزة

مع بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023، شهدت الأسواق المالية تقلبات سريعة وملحوظة. ارتفع سعر الذهب من 1822.98 دولارًا للأونصة قبل العدوان إلى 2651.99 دولارًا بعد مرور عام، مما يعكس فارقًا في الأسعار. في المقابل، تراجعت مؤشرات الأسهم في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ. حيث تُظهر الأحداث التاريخية أن الشركات غالبًا ما تتعرض لتأثيرات سلبية جراء الحروب والنزاعات. في هذه الظروف، يثبت الذهب أنه الملاذ الآمن للاستثمار وحفظ الأموال.

الحرب الروسية الأوكرانية

بدأت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، مما أحدث تغييرات جذرية في الاقتصاد الأوكراني والأسواق العالمية. خلال الأشهر التي تلت بداية النزاع، شهدت العملة الأوكرانية، الهريفنا، انخفاضًا حادًا. إذ تراجعت قيمتها بأكثر من 50% أمام الدولار الأمريكي، مما عكس حالة من عدم الاستقرار في البلاد. في المقابل، شهد سعر الذهب ارتفاعًا ملحوظًا، حيث قفز من حوالي 1,800 دولار للأونصة في بداية عام 2022 إلى حوالي 2,050 دولار للأونصة في ذروة النزاع في مارس 2022. تعكس هذه الديناميكية كيف تؤثر الأزمات العسكرية على أسواق العملات والمعادن الثمينة.

الذهب في لغة الحروب وثقافة الشعوب

تؤثر الحروب بشكل عميق على الثقافة الشعبية. حيث تعيد تشكيل المفاهيم والقيم التي يحملها الأفراد بشأن مختلف القضايا، بما في ذلك الاستثمار والممارسات الاقتصادية. في المجتمعات التي تعاني من الاضطرابات وفقدان الأمن، يميل الكثير من الأفراد إلى شراء الذهب كخيار استثماري لتأمين أموالهم ضد التضخم والاضطرابات المالية، خشية فقدان ثرواتهم. تتجلى هذه الظاهرة من خلال العادات الثقافية المتزايدة لاقتناء الذهب. سواء كان ذلك على شكل مجوهرات أو سبائك أو عملات، كوسيلة لحماية الأصول. هذا السلوك ليس وليد اللحظة، بل يعكس نمطًا متكررًا عبر التاريخ لاحتياجات الإنسان الأساسية للأمن والاستقرار.

الخاتمة:

تشير الأنماط التاريخية والثقافية إلى أن الأفراد يميلون إلى شراء الذهب في أوقات الأزمات كوسيلة لحفظ قيمة أموالهم. هذا الشعور بالأمان لا يقتصر على امتلاك الذهب كأصل، بل يمتد أيضًا إلى تداول الذهب في الأسواق العالمية. مع تفاقم الأوضاع السياسية حول العالم واستمرار الحروب والتهديدات الموجهة للمنشآت النفطية في بعض الدول، يُثبت الذهب مجددًا أنه يرتبط بعلاقة عكسية مع الحروب. فهي، رغم بشاعتها، تُعتبر واحدة من أبرز المحفزات في زيادة الطلب على الذهب، وبالتالي ارتفاع قيمته بشكل ملحوظ.

ابدأ التداول بفروقات سعرية تصل الى صفر! افتح حسابك الآن

Leave A Reply

Your email address will not be published.