عاد خام برنت ليتداول فوق 100 دولار للبرميل بقليل، ويهدد ببلوغ مستويات لم يرها منذ مطلع يونيو، فالمتداولون لا يزالون قلقين على استقرار تدفقات الشرق الأوسط. لكن السوق تجد نفسها أمام بيانات متناقضة، وتميل في ما يبدو إلى تغليب النظرة القصيرة الأجل على الطويلة. وفي الوقت نفسه، يحذّر اقتصاديون من أن تضخم أسعار الخام قد يواصل التأثير في الاقتصادات العالمية وعملات مثل الدولار واليورو والين، حتى لو لم ترتفع أسعار النفط نفسها.
وقد صدر تقريران يوم الثلاثاء يبدوان في ظاهرهما متعاكسين. فقد أظهرت مخزونات الخام الأمريكية التي يرصدها معهد البترول الأمريكي سحباً هائلاً بلغ 11.2 مليون برميل. في المقابل، نشرت «وول ستريت جورنال» الأسبوع الماضي تقريراً يفيد بأن تدفقات النفط من الشرق الأوسط تجاوزت مستويات ما قبل الحرب، وتتبّع التقرير الإمدادات التي عبرت مضيق هرمز، إضافة إلى المسارات البديلة. غير أن «رويترز» شككت في هذه النتيجة، وذهبت إلى أن التدفقات أقل بحسب طريقة حساب مختلفة.
أسعار النفط تتحرك على إيقاع التوقيت
قد يكمن تفسير حركة السوق في أن كل رقم يعبّر عن فترة إمداد مختلفة. فبيانات المخزونات تعكس أزمات الإمداد القريبة، بينما تحتاج الشحنات المغادرة من الشرق الأوسط إلى شهر على الأقل لتبلغ وجهتها. وسلوك السوق يوحي بأن المتداولين يركزون على صدمات الإمداد السلبية في المدى القريب، وربما لا يعكس ذلك الاتجاه الطويل للسلعة.
وإذا دققنا في بيانات المخزونات، وجدنا أن النقص في الإمدادات الأمريكية تغطيه الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط. فالمخزونات التجارية تراجعت بنحو 5 ملايين برميل فقط، أي أقل من متوسط ما قبل الحرب بـ3% فحسب. أما الاحتياطي الاستراتيجي فقد استُنزف إلى 287 مليون برميل من 409 ملايين عند اندلاع الحرب. وكانت الاحتياطيات متراجعة أصلاً إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، بعدما أفرجت إدارة بايدن عن جزء منها لاحتواء الأسعار عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.
محللون: أسعار أعلى في الطريق
بلغ السحب من الاحتياطي الاستراتيجي نحو 42% منذ بدء الحرب، ويقف عند مستوى يعلو الحد التشغيلي الأدنى بنحو 40 مليون برميل، وهذا مهم جداً. فتشير التقديرات إلى أن هبوطه دون 250 مليون برميل يجعل الإفراج عن الاحتياطي أصعب تشغيلياً، وبالتالي أكثر كلفة. وقد يدفع ذلك أسعار خام غرب تكساس الوسيط إلى الأعلى إذا واصلت المخزونات التجارية تراجعها.
وليس هذا مصدر الضغط الوحيد. فيلاحظ المحللون أن كلفة الشحن في ارتفاع جامح، إذ يلزم عدد أكبر من السفن للعمل وسط اضطرابات مضيق هرمز، بينما يرفع غلاء الوقود أجور الشحن. وتفيد التقارير بأن الأسعار المسلّمة في الصين تقترب من 140 دولاراً للبرميل، ويشكل الشحن وحده ما يصل إلى 40% منها. وحذّرت «غولدمان ساكس» من أن كلفة نقل النفط إلى أمريكا قفزت إلى 20 دولاراً للبرميل من 3 دولارات قبل الحرب.
وحتى لو لم ترتفع أسعار الخام، فإن كلفة إيصال الوقود إلى المصافي قد ترفع الأسعار عند محطات الوقود، وتؤثر في التضخم.
المركزي الأوروبي يتراجع والفيدرالي يمضي قدماً
من المرجح أن يترك عامل الكلفة أثراً كبيراً في أسواق العملات، في ظل نبرة أكثر تشدداً من المركزي الأوروبي وغموض يلف نظرة الفيدرالي. فالبنوك المركزية لا تتحكم في أسعار الخام ولا في كلفة الطاقة على المستهلك. ورفع الفائدة لا ينتج نفطاً إضافياً، ولا يخفض سعر الوقود عند المحطة. وإنما يبطئ الاقتصاد في قطاعات أخرى ليعيد التوازن إلى الأسعار.
وفي الاقتصادات بطيئة النمو، مثل بريطانيا ومنطقة اليورو، قد يضر رفع الفائدة بالعملة بدل أن يدعمها. والمركزي الأوروبي يتجه فعلاً إلى نبرة أكثر ميلاً إلى التيسير. في المقابل، ومع النمو الأمريكي المتين، يملك الفيدرالي مساحة أوسع لمواصلة الرفع. فالمسألة لا تتعلق بأسعار النفط وحدها، بل بكلفة نقله إلى المستهلكين، وهو ما قد يضغط على اليورو دولار في المرحلة المقبلة.
