يعقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه في سبتمبر الأسبوع المقبل، لكن الأسواق لم تحسم بعد اتجاه قراره. فقد جاءت بيانات الوظائف الصادرة يوم الجمعة أقوى بكثير من التوقعات، وشكلت مفاجأة كبيرة للمستثمرين.
ومع ذلك، لم تتغير توقعات الأسواق بشأن الفيدرالي كثيرًا. وهذا يشير إلى أن المتداولين ينتظرون بيانات مؤشر أسعار المستهلكين قبل اتخاذ موقف واضح من قرار رفع الفائدة الأمريكية.
لذلك، قد تكون بيانات التضخم المنتظرة يوم الجمعة أهم حدث في الأسواق قبل اجتماع الفيدرالي.
وفي الوقت الذي ركزت فيه عناوين وسائل الإعلام المالية على التطورات في الشرق الأوسط، يبدو أن تأثيرها في الأسواق سيبقى قصير الأجل. أما على مستوى العوامل الأساسية، فيبدو أن المتداولين يتجاوزون تقلبات الصراع المؤقتة، ويركزون أكثر على المدى المتوسط وعلى رد فعل الفيدرالي.
وستنعكس السياسة النقدية بشكل أساسي على الدولار والذهب. لكن الين الياباني سيكون أيضًا في دائرة الاهتمام، إذ قد يعيد المستثمرون اليابانيون أموالهم إلى البلاد، اعتمادًا على توقعاتهم لمسار الفيدرالي.
لماذا لا يزال قرار رفع الفائدة الأمريكية غير محسوم؟
تظهر حالة عدم اليقين بشأن توجه الفيدرالي في تسعير الأسواق. فاحتمالات رفع أسعار الفائدة تتجاوز حاليًا 60%.
وتتمحور المسألة حول سؤال أساسي: هل ينتقل ارتفاع التضخم العام بالفعل إلى بقية الاقتصاد؟ ويُعرف هذا الانتقال باسم «التأثيرات الثانوية» للتضخم.
وهنا يختلف الوضع بين الولايات المتحدة وأوروبا. فالبنك المركزي الأوروبي يرفع أسعار الفائدة في وقت تعتمد فيه اقتصادات المنطقة على استيراد معظم احتياجاتها من المنتجات البترولية.
أما الولايات المتحدة، فهي منتج ومصدر رئيسي للنفط الخام. ولذلك تختلف طريقة انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية الاقتصاد.
وكان الاقتصاديون يتوقعون انتقالًا سريعًا وملحوظًا لارتفاع تكاليف الطاقة إلى الأسعار الأخرى. وقد حدث ذلك جزئيًا بالفعل، إذ قفزت أسعار الوقود، ما أثار استياء كثير من الأمريكيين مع اندلاع حرب أخرى في الشرق الأوسط.
لكن حتى الآن، لم تظهر مؤشرات على تحولات كبيرة في أسعار السلع الصناعية أو البنية التحتية.
ومع ظهور علامات على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، قد يفضل الفيدرالي التريث في رفع أسعار الفائدة مجددًا. لكن ذلك يتطلب غياب إشارة واضحة إلى تسارع التضخم الأساسي.
لماذا لم تغيّر بيانات الوظائف اتجاه السوق؟
تجاوز عدد الوظائف الجديدة خارج القطاع الزراعي يوم الجمعة التوقعات بأكثر من ثلاثة أضعاف. وفي الوقت نفسه، استقر معدل البطالة عند 4.1%.
وتتوافق هذه البيانات إلى حد كبير مع رؤية الفيدرالي لسوق العمل باعتباره «مستقرًا».
لكن النقطة الأهم كانت في الأجور. فقد تراجع معدل نمو الأجور إلى 3.1%، وهو أدنى مستوى له منذ سنوات.
ويتوافق ذلك أيضًا مع سوق عمل تتسم فيه وتيرة التوظيف والاستغناء عن العمالة بالبطء. وعادةً لا يؤدي هذا النوع من سوق العمل إلى ضغوط تضخمية.
فإذا لم ترتفع الأجور، فلن يمتلك المستهلكون أموالًا إضافية لشراء المزيد من السلع. كما أن متوسط الأجور بالساعة أصبح أقل من معدل التضخم.
وغالبًا ما تكون هذه علامة على أن التضخم قد يتجه بدوره إلى الانخفاض. وبعبارة أخرى، ورغم أن عدد الأشخاص الذين وجدوا وظائف تجاوز التوقعات بفارق كبير، بقيت الصورة الاقتصادية العامة مستقرة.
بل إن البيانات تميل حاليًا بشكل طفيف إلى تخفيف الضغوط التضخمية.
ولكي يتغير هذا الاتجاه، ستكون هناك حاجة إلى قراءة أعلى بكثير من المتوقع في بيانات التضخم. عندها فقط يمكن أن ترتفع احتمالات رفع أسعار الفائدة.
ماذا تترقب الأسواق قبل اجتماع الفيدرالي؟
تتوقع الأسواق أن يستقر معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة خلال أغسطس عند 3.4% دون تغيير.
في المقابل، من المتوقع أن يتراجع معدل التضخم الأساسي إلى 2.4%، مقارنةً بـ2.5%.
ويُعزى الفرق بين القراءتين عادةً إلى تكاليف الطاقة. لكن تراجع التضخم الأساسي سيكون إشارة مهمة إلى أن التأثيرات الثانوية التي خشيت الأسواق انتقالها من حرب الشرق الأوسط إلى الاقتصاد الأمريكي لا تتبلور فعليًا.
وفي هذه الحالة، قد ترتفع احتمالات تأجيل الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة في اجتماع الأسبوع المقبل. ومن شأن ذلك أن يضغط على الدولار.
أما إذا ارتفع معدل التضخم باستثناء تكاليف الطاقة، فقد تدفع هذه القراءة الأسواق إلى تسعير رفع أسعار الفائدة بشكل كامل.
ومن ثم، سيحصل الدولار على دعم إضافي. أما الذهب، فمن المرجح أن يتحرك في الاتجاه المعاكس للدولار.
