تترقب الأسواق قرار البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس، وسط شبه إجماع على رفع أسعار الفائدة. لكن السؤال الأهم لن يكون حول قرار الرفع نفسه، بل حول ما قد يفعله البنك بعد ذلك.
ومن المرجح أن تتجاوز استجابة الأسواق مجرد سيناريو رفع الفائدة أو تثبيتها. وسيتركز اهتمام المتداولين على التوقعات الاقتصادية الجديدة وتصريحات رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد.
التزم مسؤولو البنك المركزي الأوروبي هدوءًا غير معتاد خلال الأسابيع التي سبقت القرار، خصوصًا فيما يتعلق بتوجيهات السياسة النقدية.
وبدلًا من التصريحات المباشرة، اعتمدت توقعات الأسواق بدرجة أكبر على البيانات الاقتصادية. وكان ارتفاع التضخم العامل الرئيسي وراء الاعتقاد السائد بأن البنك المركزي يستعد لمزيد من التشديد النقدي.
لكن قراءة هذه البيانات تختلف من قطاع إلى آخر عند النظر إلى المدى المتوسط. ولهذا السبب، قد تشهد الأسواق تحركًا قويًا بعد صدور القرار، بحسب الطريقة التي ستفسر بها الأسواق مسار السياسة النقدية المقبلة.
الأسواق والاقتصاديون يختلفون حول الخطوة التالية
تُسعّر الأسواق حاليًا احتمال تنفيذ رفعين إضافيين لأسعار الفائدة خلال العام التالي لقرار الخميس، مع إمكانية أن يأتي الرفع المقبل في ديسمبر.
في المقابل، تتوقع كبرى البنوك الأوروبية والعديد من الاقتصاديين أن يدخل البنك المركزي الأوروبي في فترة توقف طويلة بعد رفع الفائدة هذا الأسبوع.
ومن هنا، سيكون المسار الذي سيشير إليه البنك المركزي هو العامل الأهم في تحديد رد فعل الأسواق. فإذا ألمح إلى استمرار التشديد، فقد تتجه الأسواق إلى تسعير المزيد من الزيادات. أما إذا أشار إلى توقف طويل، فقد تتراجع هذه التوقعات.
لماذا تختلف التوقعات بشأن التضخم؟
يرتبط جزء من هذا الاختلاف بتباين قراءات التضخم الأخيرة.
فقد جاءت القراءة الأولية لتضخم أسعار المستهلكين في أغسطس باتجاهين مختلفين. ارتفع التضخم العام، بينما تراجع التضخم الأساسي.
وكانت أسعار الطاقة العامل الرئيسي وراء هذا التباين، بعدما ارتفعت بنسبة 14%، وهو ما دفع معدل التضخم العام إلى الارتفاع.
لكن تراجع التضخم الأساسي يشير في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة لم ينتقل بصورة كبيرة إلى بقية مكونات الاقتصاد.
وقد ظهرت الظاهرة نفسها في دول أخرى، وهو أمر فاجأ عددًا من المحللين.
تفويض البنك المركزي الأوروبي قد يحسم اتجاه الفائدة
هناك نقطة مهمة يغفل عنها المتداولون أحيانًا. فالبنك المركزي الأوروبي يولي اهتمامًا كبيرًا بالتضخم الأساسي، لكنه غير ملزم ببناء قراراته على هذا المؤشر وحده.
ويتمثل التفويض الأساسي للبنك المركزي الأوروبي في الحفاظ على استقرار الأسعار. وغالبًا ما يكون التضخم الأساسي مقياسًا أفضل من التضخم العام لاتجاهات الأسعار على المدى الطويل، وإن لم يكن ذلك صحيحًا في جميع الحالات.
لذلك، قد ينظر البنك المركزي الأوروبي بقلق أكبر إلى تسارع التضخم العام مقارنة ببعض البنوك المركزية الأخرى.
ويزداد هذا الاحتمال أهمية مع بدء اقتصاد منطقة اليورو في التعافي، بعدما بلغ أدنى مستوياته في وقت سابق من هذا العام. وقد يدعم ذلك توقعات استمرار رفع أسعار الفائدة خلال بقية العام.
في المقابل، غالبًا ما تمتلك فرق الاقتصاد والتحليل في كبرى البنوك الأوروبية قراءة جيدة لما يفكر فيه البنك المركزي. ويرجع ذلك جزئيًا إلى تشابه خلفياتهم الاقتصادية وطريقة تحليلهم للبيانات والسياسة النقدية.
كيف قد تتفاعل الأسواق مع قرار البنك المركزي الأوروبي؟
تصل احتمالات رفع أسعار الفائدة إلى 99%. لذلك، فإن الإبقاء على الفائدة دون تغيير سيكون مفاجأة كبيرة تميل إلى التيسير النقدي.
وبالتالي، ستركز الأسواق على عاملين رئيسيين: تصريحات كريستين لاغارد وتوقعات التضخم.
وبالتزامن مع قرار الفائدة، سيصدر البنك المركزي الأوروبي تحديثًا لتوقعاته الاقتصادية للعام الحالي والعام المقبل.
إذا رفع البنك توقعاته للتضخم، فمن المرجح أن تعتبر الأسواق ذلك تأكيدًا لاحتمال رفع أسعار الفائدة في ديسمبر. وقد يدعم هذا السيناريو اليورو.
أما إذا أبقى البنك على توقعاته للتضخم دون تغيير أو خفضها، فقد تتعامل الأسواق مع القرار باعتباره أكثر ميلًا إلى التيسير النقدي. وفي هذه الحالة، قد يتعرض اليورو للضعف.
تصريحات لاغارد ستكون حاسمة
لن يقتصر اهتمام الأسواق على الأرقام والتوقعات الاقتصادية. وستكون تصريحات كريستين لاغارد عنصرًا رئيسيًا في تحديد اتجاه اليورو.
فإذا بدت لاغارد أكثر ترددًا بشأن مسار التضخم، فقد تتعامل الأسواق مع تصريحاتها باعتبارها إشارة تميل إلى التيسير النقدي.
على سبيل المثال، إذا أعربت عن قلقها من التضخم، لكنها لم تشر إلى أنه يتسارع، فقد يكون رد فعل الأسواق سلبيًا تجاه اليورو.
لذلك، ورغم أن رفع الفائدة يبدو شبه محسوم، فإن قرار البنك المركزي الأوروبي لن يكون العامل الوحيد الذي يحدد حركة الأسواق. وستكون التوقعات الجديدة للتضخم، إلى جانب نبرة لاغارد، العاملين الأبرز في تحديد ما إذا كان المتداولون سيرون القرار بداية لمزيد من التشديد أم مقدمة لفترة توقف طويلة.
