شهد تراجع الدولار خلال الأسبوعين الماضيين حركة استثنائية، إذ انخفض مؤشر الدولار بنحو 2%. وتزداد أهمية هذه الحركة لأن توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي لم تتغير كثيرًا خلال الفترة نفسها. وبالنسبة إلى عملة رئيسية، فإن هذا التراجع يُعد كبيرًا بما يكفي لجذب اهتمام المتداولين.
ولا يقتصر تأثير الدولار على سوق العملات وحده. فهناك العديد من الأصول التي تُسعّر بالدولار، مثل النفط والذهب والفضة، إلى جانب العملات المشفرة. وقد أدت التحركات غير المعتادة في الدولار إلى تحركات غير معتادة في مجموعة واسعة من الأصول الأخرى.
والسؤال الذي يواجه المتداولين الآن هو: هل ستستمر هذه الحركة، أم ستصحح الأسواق مسارها وتعود إلى الاتجاه السابق؟
تراجع الدولار يدعم مجموعة واسعة من الأصول
يتمثل العامل الأقرب وراء الاضطراب الذي شهدته أسواق العملات في إعلان وزارة الخزانة الأمريكية أنها ستضاعف عمليات إعادة شراء ديونها طويلة الأجل.
ومجرد لجوء الحكومة إلى إعادة شراء ديونها يُعد أمرًا مقلقًا. أما زيادة هذه المشتريات، فتشير إلى أن الوضع قد ازداد سوءًا.
وتعكس العوائد المرتفعة على السندات الأمريكية طويلة الأجل تزايد قلق المستثمرين بشأن السياسة المالية للولايات المتحدة.
فإذا واصلت الحكومة تسجيل عجز مزمن، فسيتعين عليها إيجاد وسائل لتمويل ديونها. وغالبًا ما تكون هذه الوسائل سلبية بالنسبة إلى المستثمرين.
ومن بين الخيارات المتاحة رفع الضرائب، وهو ما يبطئ الاقتصاد ويضر بسوق الأسهم. وهناك أيضًا زيادة المعروض النقدي، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم.
وبالتالي، تعكس العوائد المرتفعة علاوة مخاطر أكبر يطلبها المستثمرون لتعويضهم عن خطر ارتفاع التضخم.
فهل أصبحت المشكلة مشكلة ثقة في الاحتياطي الفيدرالي؟
إذا كان المستثمرون يتوقعون استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة على المدى الطويل، فهل يعني ذلك أنهم بدأوا يفقدون الثقة في قدرة الاحتياطي الفيدرالي على أداء مهمته والحفاظ على استقرار الأسعار؟
ليس تمامًا.
المشكلة تتمثل في أن ارتفاع العوائد قد يؤدي إلى خسائر دفترية لدى المؤسسات المالية التي تحتفظ بديون طويلة الأجل. ومع انخفاض قيمة هذه الأصول، لن تتمكن تلك المؤسسات من استخدامها كضمان.
وهذا قد يمنعها من العمل بكفاءة كمؤسسات مالية.
وإذا ظهر أي مصدر للخطر داخل النظام، مثل ارتفاع جديد وحاد في أسعار النفط، فقد يؤدي ذلك إلى إعسار بعض المؤسسات المالية، ومن ثم إلى ركود اقتصادي.
وفي حالة الركود، سيضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة بقوة، وقد يلجأ إلى التيسير الكمي. كما أن انخفاض الإيرادات الضريبية سيعني زيادة الإنفاق الحكومي بالعجز بوتيرة حادة.
وفي النهاية، قد تؤدي هذه العوامل إلى استمرار التضخم على المدى الطويل، حتى إذا رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في الوقت الحالي لمحاولة إعادة أسعار المستهلكين إلى مسارها الطبيعي.
ماذا يعني تراجع الدولار لمتداولي العملات؟
الأثر المباشر هو ضعف الدولار، لكن توقعات رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة لن تكون كافية لدعم العملة، أو على الأقل لن يكون تأثيرها بالقوة المعتادة.
ويرجع ذلك إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة يضغط على الاقتصاد، كما يدفع العوائد إلى الارتفاع.
وإذا ازدادت الأوضاع سوءًا، فقد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام معضلة صعبة. فإذا لم يرفع أسعار الفائدة، فقد يستمر التضخم. أما إذا رفعها، فقد يدفع الاقتصاد إلى الركود، ثم يعود التضخم بعد ذلك.
ولا يعني هذا أن السيناريو مؤكد. بل إن الأسواق ترى أن حدوثه غير مرجح. ومع ذلك، فإنها تسعّر احتمالًا أعلى لحدوث ركود، وهو ما يضغط على الدولار.
وفي المقابل، تشهد أصول مثل الذهب والعملات المشفرة، إلى جانب كل ما يوفر بديلًا عن الدولار، ارتفاعات قوية.
أما إذا تعافى الاقتصاد الأمريكي خلال النصف الثاني من العام، فقد تتراجع هذه المخاوف، وقد يستعيد الدولار قوته. لكن لن تتضح الصورة قبل مرور بضعة أشهر.
