بنك اليابان والفيدرالي يوجهان رسالة قوية إلى أسواق الفوركس

بنك اليابان والفيدرالي يوجهان رسالة قوية إلى أسواق الفوركس

شهدت أسواق العملات يوم الجمعة واحداً من أهم الأحداث خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في تداولات الدولار مقابل الين الياباني. فقد هبط الزوج بأكثر من 500 نقطة خلال ساعات قليلة، قبل أن يؤكد بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تدخلهما المباشر في سوق الصرف.

ولم يكن الحدث مجرد تدخل لدعم الين، بل تزامن مع ثلاثة تطورات غير معتادة أثارت اهتمام المتداولين. أولها إعلان التدخل بشكل رسمي، وهو أمر نادر. وثانيها مشاركة الاحتياطي الفيدرالي لأول مرة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. أما التطور الثالث، فتمثل في استخدام اليورو لتنفيذ التدخل، وهي خطوة تحمل دلالات مهمة للبنك المركزي الأوروبي أيضاً.

بنك اليابان يكسر نهجه المعتاد

أول ما لفت انتباه الأسواق لم يكن التدخل نفسه، وإنما الإعلان الرسمي عنه.

فعلى مدى سنوات، التزم بنك اليابان ووزارة المالية اليابانية بعدم الإعلان عن أي تدخل في سوق العملات، وكان المتداولون يستدلون عليه من خلال التحركات المفاجئة في الأسعار فقط، دون أي تأكيد رسمي.

أما هذه المرة، فقد أعلنت السلطات التدخل مباشرة بعد تنفيذه، وهو ما اعتبره كثير من المحللين رسالة واضحة إلى الأسواق بأن اليابان لم تعد ترغب في رؤية الين يواصل التراجع بهذه الوتيرة.

كما أن توقيت التدخل يحمل رسالة أخرى. ففي آخر مرة تدخل فيها بنك اليابان كان زوج الدولار مقابل الين يتداول قرب مستوى 162. أما هذه المرة، فقد تُرك الزوج يرتفع حتى اقترب من 164 رغم التحذيرات اللفظية المتكررة. ويشير ذلك إلى أن صناع السياسة أصبحوا يتقبلون مستوى أعلى لتحركات الزوج، لكنهم لا يريدون أن يتجاوز هذا النطاق.

بنك اليابان والفيدرالي يتعاونان مجدداً

الحدث الثاني، وربما الأبرز، هو مشاركة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في التدخل.

ويُعد هذا أول تدخل للفيدرالي في سوق العملات منذ أكثر من 15 عاماً.

كما أن آخر تعاون بين بنك اليابان والفيدرالي كان عقب زلزال فوكوشيما عام 2011، عندما واجهت اليابان ظروفاً استثنائية.

أما خارج حالات الطوارئ، فلم يتدخل الفيدرالي لدعم الين منذ أكثر من 30 عاماً، وهو ما يجعل هذا التحرك حدثاً تاريخياً بكل المقاييس.

ولم يكتفِ الطرفان بالإعلان عن التدخل، بل أكدا أيضاً استعدادهما للتدخل مرة أخرى إذا استدعت الظروف ذلك. ولذلك، يرى كثير من المحللين أن هذه رسالة مباشرة إلى الأسواق بعدم محاولة دفع الدولار مقابل الين فوق مستوى 164 مرة أخرى.

ويُنظر إلى مشاركة الاحتياطي الفيدرالي على أنها استخدام لـ”السلاح الأقوى”. فبنك اليابان يستطيع شراء الين من خلال بيع ما يملكه من احتياطيات الدولار، وهي بطبيعتها محدودة. أما الاحتياطي الفيدرالي، فيستطيع توفير سيولة دولارية دون هذا القيد، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على مواجهة أي محاولات للمضاربة على استمرار صعود الزوج.

لماذا استخدم بنك اليابان والفيدرالي اليورو؟

من التفاصيل التي لم تحظَ باهتمام واسع أن الاحتياطي الفيدرالي لم يستخدم الدولار في عملية التدخل.

فقد باع اليورو واشترى الين، وهو ما يعني إشراك البنك المركزي الأوروبي بصورة غير مباشرة في العملية.

وبهذه الطريقة، حافظ الفيدرالي على قوة الدولار، بينما أدى التدخل إلى الضغط على اليورو، وهو ما يتماشى أيضاً مع مصلحة البنك المركزي الأوروبي الذي لا يرغب في استمرار ضعف الين.

وفي الوقت نفسه، يكشف هذا التحرك أن الاحتياطي الفيدرالي لم يستخدم أقوى أدواته بعد. فهو لا يزال يحتفظ بإمكانية التدخل المباشر باستخدام الدولار إذا احتاج إلى ذلك مستقبلاً.

ولذلك، يرى محللون أن استخدام اليورو كان بمثابة رسالة تحذير أولى للمضاربين، مفادها أن السلطات ما زالت تملك وسائل أقوى إذا استمرت محاولات دفع الدولار مقابل الين إلى مستويات أعلى.

لماذا يقلق بنك اليابان من ضعف الين؟

يحافظ بنك اليابان على أسعار فائدة منخفضة مقارنة بمعظم البنوك المركزية الكبرى.

ولهذا السبب، أصبح الين العملة الأساسية التي يعتمد عليها المستثمرون في صفقات الكاري تريد، حيث يقترضون بالين منخفض الفائدة ثم يستثمرون الأموال في أصول تحقق عائداً أعلى، مثل الأسهم الأمريكية والأوروبية.

ولهذا أيضاً، تراجعت أسواق الأسهم بالتزامن مع التدخل، بعدما بدأ المستثمرون في إعادة تقييم هذه الصفقات.

كما أن استمرار رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا، مع بقاء الفائدة اليابانية عند مستويات منخفضة، يزيد جاذبية هذه الاستراتيجية ويضع ضغوطاً إضافية على الين.

ماذا يعني تدخل بنك اليابان لمستقبل الين؟

يحمل التدخل الأخير أكثر من رسالة للأسواق.

فمن جهة، يبدو أن السلطات تريد رسم سقف غير معلن لتحركات الدولار مقابل الين قرب مستوى 164.

ومن جهة أخرى، فإن استخدام اليورو بدلاً من الدولار يعني أن الاحتياطي الفيدرالي لا يزال يحتفظ بأقوى أدواته إذا احتاج إلى تدخل أكبر في المستقبل.

ويبقى السؤال الآن: هل ستتجاوب الأسواق مع هذه الرسالة، أم سيحاول المتداولون اختبار هذا المستوى مرة أخرى؟

حتى الآن، نجح الين في الحفاظ على جزء كبير من مكاسبه.

لكن التدخلات وحدها لا تستطيع تغيير العوامل الأساسية التي تدفع السوق. ولهذا، سيواجه بنك اليابان ضغوطاً متزايدة لرفع أسعار الفائدة، حتى يقلص الفجوة مع الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، ويمنح العملة اليابانية دعماً أكثر استدامة.

الخلاصة

يمثل تحرك بنك اليابان بالتنسيق مع الاحتياطي الفيدرالي أحد أهم التدخلات في سوق العملات خلال العقود الأخيرة، لأنه لم يقتصر على دعم الين، بل حمل رسالة واضحة بأن السلطات لن تسمح بسهولة بتجاوز الدولار مقابل الين مستوى 164.

وفي المقابل، سيبقى مستقبل الين مرتبطاً بالسياسة النقدية أكثر من التدخلات المؤقتة. فإذا بدأ بنك اليابان رفع أسعار الفائدة تدريجياً، فقد يحصل الين على دعم حقيقي ومستدام. أما إذا استمرت الفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة وأوروبا، فقد تعود الضغوط على العملة اليابانية، حتى مع استمرار التدخلات الرسمية.

 

 

هل تشعر بالثقة الكافية لبدء التداول؟ افتح حسابك الآن

ابدأ التداول الان

أو تمرن عبر حساب تجريبي مجاني

التداول على الهامش يحمل درجة عالية من المخاطر