معضلة البنك المركزي الأوروبي: هل يخطئ التقدير في مواجهة التضخم؟
Daniel John Grady
أزمة الطاقة تضع اليورو تحت الضغط
تشهد الأسواق العالمية موجة صعود في أسعار الفائدة، مع تسعير المستثمرين لتوجهات البنوك المركزية نحو تشديد السياسة النقدية لمحاصرة التضخم. ورغم أن الأزمة عالمية، إلا أن منطقة اليورو تواجه هذا الضغط بشكل أكبر، بسبب اعتمادها الكبير على استيراد الطاقة. وبالتالي، يصبح الاقتصاد الأوروبي شديد الحساسية لارتفاع أسعار النفط والغاز، خاصة بعد سنوات من الاضطرابات الناتجة عن الحرب في أوكرانيا. ونتيجة لذلك، يدفع هذا الوضع اليورو إلى موقف ضعيف مع اقتراب اجتماعات البنوك المركزية.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات عضو المجلس الحاكم في البنك المركزي الأوروبي “أولي رين” لتعكس عمق الأزمة، حيث دافع عن رفع الفائدة لحماية “مصداقية البنك”. ومن ناحية أخرى، يعكس هذا المصطلح في لغة البنوك المركزية مخاوف من تحول توقعات التضخم إلى محرك ذاتي لارتفاع الأسعار. ولذلك، يسعى البنك إلى التحرك بشكل استباقي لكبح الضغوط التضخمية قبل ترسخها.
رفع الفائدة بين كبح التضخم وتكلفة النمو
يظل رفع الفائدة الأداة التقليدية لكبح التضخم عبر زيادة تكلفة الاقتراض وإبطاء النشاط الاقتصادي. لكن المشكلة في الحالة الأوروبية أن التضخم الحالي لا يعود إلى نمو اقتصادي قوي، بل إلى عوامل هيكلية وخارجية مرتبطة بالطاقة.
فارتفاع أسعار النفط ناتج عن اختناقات في الإمدادات وظروف جيوسياسية، وليس عن طلب داخلي مفرط. وبالتالي، فإن رفع الفائدة في فرانكفورت لن يحل مشكلة الطاقة أو يزيد المعروض. في المقابل، سيبقى تأثير الطاقة قائماً، بينما تحاول السياسة النقدية كبح قطاعات أخرى من الاقتصاد.
التضخم بين أنواعه المختلفة وتداعياته على الاقتصاد
قد ينجح رفع الفائدة في خفض قراءة التضخم الإجمالية، لكن التكلفة الاقتصادية ستكون مرتفعة. إذ إن ارتفاع أسعار الوقود يضغط مباشرة على قطاع الأعمال الذي يعتمد على الطاقة بشكل أساسي. وبالتالي، فإن رفع الفائدة لن يعالج هذا الضغط، بل قد يضيف عبئاً إضافياً على الاقتصاد.
وبمعنى آخر، يمكن للبنك المركزي الأوروبي السيطرة على الرقم العام للتضخم، لكن ذلك قد يأتي على حساب النمو. وفي الوقت نفسه، يظهر الاقتصاد بالفعل علامات ضعف، مع نمو محدود للغاية في الناتج المحلي الإجمالي. ومع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتشديد السياسة النقدية، تزداد احتمالات تباطؤ أكبر خلال الفترة المقبلة.
اليورو يتحرك فوق أرضية اقتصادية ضعيفة ومتقلبة
رغم تراجع زوج اليورو/دولار منذ بداية الحرب، لا يزال مرتفعاً على أساس سنوي. لكنه فقد جزءاً كبيراً من زخمه الصعودي بعد أن سجل مكاسب تجاوزت 17% في وقت سابق.
وجاءت هذه المكاسب نتيجة توقعات بتحسن الاقتصاد الأوروبي مقارنة بالولايات المتحدة، بدعم من الاستقرار وزيادة الإنفاق. لكن هذا التوقع بدأ يضعف مع ارتفاع مخاطر الركود في منطقة اليورو.
وفي المقابل، يظهر الاقتصاد الأمريكي أكثر مرونة لأنه منتج صافٍ للطاقة، بينما تعتمد أوروبا على الاستيراد. لذلك، إذا استمرت هذه الظروف دون تحسن في أسعار الطاقة أو الوضع الجيوسياسي، فقد يواجه اليورو مزيداً من الضغوط حتى مع استمرار رفع الفائدة من البنك المركزي الأوروبي.