تترقب أسواق الصرف تحركات عوائد السندات العالمية، باعتبارها أحد أهم محركات حركة العملات. وتشهد الأسواق تحولاً واضحاً في سياسات البنوك المركزية الكبرى، ما يعيد تسعير المخاطر ويدفع نحو زيادة التقلبات. ورغم استمرار الاتجاه الصاعد للعوائد وتسجيل مستويات قياسية جديدة، فإن اختلاف أسباب هذا الصعود بين الاقتصادات يزيد من حالة عدم اليقين في أسواق الفوركس.
فقد ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له في نحو عام، بينما سجل العائد لأجل 10 سنوات أعلى مستوى في 15 شهراً. وعلى المستوى العالمي، وصلت العوائد الألمانية إلى مستويات لم تُسجل منذ 2011، في حين صعدت العوائد اليابانية إلى قمم لم تُشاهد منذ 1997. وفي المملكة المتحدة، تجاوزت عوائد السندات لأجل 10 سنوات مستويات أزمة “الموازنة المصغرة”، لتسجل أعلى مستوياتها منذ سنوات طويلة وسط استمرار الضبابية السياسية.
المأزق السياسي وفخ الإنفاق الحكومي
يُظهر المشهد أن العوائد طويلة الأجل في أوروبا واليابان وصلت إلى قمم تاريخية غير مسبوقة منذ تسعينيات القرن الماضي. وتُعد هذه السندات الأكثر حساسية للتطورات السياسية، كما تعكس ثقة المستثمرين في قدرة الحكومات على إدارة المالية العامة. ورغم ارتباط هذا الارتفاع بالتوترات الجيوسياسية، إلا أن تركيز المتداولين ينصب على الاتجاه المستقبلي للعوائد.
ويطالب المستثمرون بعوائد أعلى عند ارتفاع المخاوف بشأن القوة الشرائية للعملة. ومع صعود التضخم، يتآكل العائد الحقيقي للسندات، ما يدفع العوائد الاسمية إلى الارتفاع كتعويض. ومع ذلك، لا يرتبط هذا الصعود بالتضخم فقط، بل أيضاً بمخاوف توسع الإنفاق الحكومي.
الإنفاق المفرط يربك حسابات الفوركس
لم يكن مفاجئاً تسجيل مستويات مرتفعة في بريطانيا واليابان، في ظل الجدل السياسي حول الإنفاق الحكومي. فالإفراط في الإنفاق دون نمو اقتصادي موازٍ يؤدي إلى توسع القاعدة النقدية وارتفاع الضغوط التضخمية. وهذا يزيد مخاوف المستثمرين من تضخم طويل الأمد، ما يدفعهم للمطالبة بعلاوة مخاطر أعلى على الديون السيادية.
وفي الظروف الطبيعية، يدعم ارتفاع العوائد العملات عبر جذب التدفقات الاستثمارية. لكن عندما يكون الصعود مدفوعاً بمخاوف التضخم، فإن تراجع القوة الشرائية يقلل من جاذبية العائد الحقيقي. وقد يؤدي ذلك إلى ضغط على العملات بدلاً من دعمها، مقارنة باقتصادات أكثر استقراراً تضخمياً.
آفاق الرؤية المستقبلية للسوق
أمام صناع السياسة، يبقى خيار تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة مطروحاً. ومع اجتماع مجموعة السبع، لم يتم التوصل إلى تنسيق مشترك، ما يضع كل دولة أمام إدارة منفردة للسياسات النقدية والمالية. وهذا يعزز التباين بين العملات في الأسواق العالمية.
وفي حال تبنت البنوك المركزية نبرة أكثر تشدداً، فقد يدعم ذلك ثقة المستثمرين ويحد من التضخم، ما ينعكس على تراجع العوائد ودعم العملات. لكن التشديد المفرط قد يضغط على النمو الاقتصادي ويخلق نتائج عكسية. وفي النهاية، تبقى الاقتصادات ذات النمو القوي الأكثر قدرة على إدارة هذه المرحلة، مع أفضلية نسبية لعملاتها في الفترة المقبلة.
