قفزت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، حيث خام برنت تجاوز 120 دولار للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، بل وتجاوز القمم التي سجلها إبان الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022. وبهذا الصعود، تكون الأسعار قد استردت كامل خسائرها التي منيت بها عقب إعلان الهدنة وبدء المسار التفاوضي. والمفارقة تكمن في تباين أداء النفط عن بقية الأسواق المالية التي لم تعد بعد لمستويات ما قبل التهدئة، وهو تباين يفرض تداعيات حاسمة على تحركات سوق العملات (الفوركس).
ويعود هذا الانفجار السعري إلى تضارب الأنباء حول احتمالات التصعيد العسكري؛ فبينما تسربت أنباء عن توجه البيت الأبيض لفرض حصار طويل الأمد على الموانئ الإيرانية للضغط في المفاوضات، مما يعني استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز. جاءت تقارير أخرى لتتحدث عن دراسة خيارات عسكرية مكثفة لكسر جمود التفاوض، وهو ما مثل الشرارة التي دفعت الأسعار لملامسة قمم تاريخية غير مسبوقة منذ سنوات.
النفط بين “علاوة المخاطر” وأساسيات السوق
تؤكد التحركات الأخيرة أن “علاوة المخاطر الجيوسياسية” في الشرق الأوسط لا تزال هي المحرك الأوحد للأسواق، لدرجة أن برنت واصل التحليق متجاهلاً عوامل فنية كان من شأنها الضغط على الأسعار نزولاً.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، سجلت المخزونات الأمريكية تراجعاً حاداً بواقع 6.2 مليون برميل، في استمرار لنزيف المخزون المستمر منذ أسابيع. ورغم هذا السحب الكبير، لا يزال المخزون الأمريكي أعلى بنحو 1% من متوسطه السنوي، مما يوفر هامش مناورة مؤقت للسوق، لكن استمرار هذا الوضع لشهرين إضافيين قد يضع الولايات المتحدة أمام أزمة حقيقية في المعروض.
جمود الإنتاج وتحولات “أوبك”
رغم الإغراءات السعرية، لا يزال المنتجون الأمريكيون يحجمون عن ضخ استثمارات ضخمة لزيادة الإنتاج؛ والسبب يكمن في الحذر من تقلبات المشهد السياسي، إذ إن أي اتفاق مفاجئ يفتح المضيق كفيل بهدم الأسعار في لحظات.
وفي تطور جيوسياسي لافت، أعلنت الإمارات عزمها الانسحاب من منظمة “أوبك” بنهاية الشهر الجاري. وبصفتها رابع أكبر منتج في المنظمة، فإن خروجها يعني التحرر من قيود الحصص الإنتاجية، مع نية صريحة لفتح صنابير الإنتاج بكامل طاقتها فور انفراج أزمة المضيق لتلبية الطلب العالمي المكبوت.
تأثير “حمى النفط” على سوق العملات
بعيداً عن شاشات النفط، بدأت احتمالات تعثر النمو العالمي في إرباك حسابات سوق العملات. فقد عاد التضخم ليتصدر نقاشات البنوك المركزية، ويبرز اليورو كأكثر العملات هشاشة أمام صدمات إمدادات الطاقة.
وإذا استقرت أسعار النفط فوق مستويات الـ 120 دولاراً، فقد تضطر البنوك المركزية في أوروبا وبريطانيا لرفع الفائدة في يونيو، مما سيضع العملتين تحت ضغوط مزدوجة. أما الين الياباني، فقد يدفع ثمن ارتفاع تكاليف الاستيراد، مما قد يجبر السلطات اليابانية على التدخل المباشر لردع زوج الدولار/ين وإعادته تحت مستوى 160.00.
