مثلت الحرب في الشرق الأوسط نقطة تحول جوهري في قواعد لعبة أسواق العملات (الفوركس). فبعيداً عن المخاوف البديهية من صدمات الإمداد في قطاع الطاقة والتوترات الجيوسياسية التي تتصدر العناوين، برزت قضية أكثر عمقاً وجذرية بدأت تعيد تشكيل وجه السوق.
ومن الطبيعي أن يلقي هذا التحول بظلاله على استراتيجيات التداول، حيث باتت الأسواق تتحرك وفق مجموعة مختلفة تماماً من الحوافز. فإذا كنت تتساءل عن سبب تعثر استراتيجيتك المعتادة في البيئة الحالية. فقد تجد الإجابة هنا؛ إذ يقدم هذا التغيير رؤية ثاقبة حول كيفية تطويع أسلوب تداولك ليتماشى مع السلوك الجديد للسوق، والذي يُتوقع استمراره لفترة ليست بالقصيرة، حتى وإن وضعت الحرب أوزارها قريباً.
المحركات الرئيسية لسوق العملات
في الظروف الطبيعية أو على الأقل قبل أن تبدأ الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية بالسقوط في إيران كانت أسعار الفائدة هي الوقود المحرك لأسواق الصرف الأجنبي. والسبب بسيط: المستثمرون يبحثون دائماً عن أفضل عائد لأموالهم. لذلك يتجهون لشراء الأصول التي توفر أعلى “أسعار فائدة حقيقية” بأقل قدر من المخاطر. وبما أن الرؤية حول هذه الأصول تتغير باستمرار، فإننا نرى التقلبات الدائمة في أزواج العملات.
ويظل البنك المركزي هو العنصر الجوهري الذي يحدد اتجاهات الفائدة. ورغم أن المستثمرين لا يحصلون عادةً على “سعر الفائدة الرسمي” مباشرة، إلا أنهم يشترون السندات بالعملة التي تثير اهتمامهم. وتتذبذب قيمة هذه السندات بناءً على توقعات التضخم ومسار الفائدة المستقبلي. فالفائدة المدفوعة على السند مطروحاً منها معدل التضخم المتوقع تمنحنا ما يُعرف بـ “العائد الحقيقي على الاستثمار”. وبما أن مخاطر التعثر في السداد ضئيلة جداً بين العملات الكبرى، يظل العائد الحقيقي هو المحرك الأساسي لحركة العملة.
من البنوك المركزية إلى قلب الاقتصاد
لهذا السبب، كانت بيانات تضخم أسعار المستهلكين واجتماعات البنوك المركزية هي الأهم دائماً لمداولي الفوركس. بل إنها كانت تتقدم في الأهمية على أداء الاقتصاد ذاته؛ فنمو الاقتصاد ليس سوى عامل واحد من بين عوامل عدة تدرسها البنوك المركزي عند تحديد الفائدة. كما أن السندات تُصدر بأسعار فائدة ثابتة لا تتأثر بمدى ربحية الحكومة أو تعثرها المالي.
ومع ذلك، وفي ظروف استثنائية كالتي نعيشها، يمكن للاقتصاد أن يفرض كلمته فوق أسعار الفائدة، مدفوعاً بتدفقات ضخمة في أسواق الأسهم. فإذا ساد اعتقاد بأن الاقتصاد في طريقه للانهيار، سيسارع الجميع لبيع الأسهم والتحصن بالسندات. لكن شراء السندات هنا لا يعني بالضرورة البقاء في نفس العملة. فعملية “الهروب نحو الأمان” من الأسهم اليابانية مثلاً قد تدفع المستثمرين لشراء سندات الخزانة الأمريكية. هذه التحركات الضخمة كفيلة بإرباك الدورة المعتادة للارتفاع والانخفاض المرتبطة بتوقعات البنوك المركزية. وبما أن الأسهم تتحرك عادةً جنباً إلى جنب مع الاقتصاد، تصبح الآفاق الاقتصادية هي الموجه الأول للفوركس، متجاوزة في أهميتها توجهات البنوك المركزية.
إلى أين تتجه الأسواق؟
هذه الظاهرة هي التي كانت وراء الحركة العنيفة للدولار العام الماضي، حين قفز زوج اليورو/دولار بنسبة 17%، وهو رقم ضخم لعملة رئيسية. حينها، رأى المستثمرون أن الأسهم الأمريكية تنطوي على مخاطر عالية، بينما لمسوا فرص نمو في الأسهم الأوروبية. فقاموا ببيع الدولار لشراء اليورو، مما دفع الزوج للتحليق عالياً رغم أن نبرة البنك المركزي الأوروبي كانت تميل نحو “التيسير” ورفض رفع الفائدة.
اليوم، يُتوقع أن تترك الحرب في الشرق الأوسط بصمات متفاوتة على الاقتصادات العالمية. وهذا يعني أن المستثمرين سينقلون أموالهم بعيداً عن العملات التي يُتوقع تراجع أداء اقتصاداتها. حتى لو كان البنك المركزي هناك يرفع الفائدة. بل ربما “بسبب” رفعه للفائدة تحديداً. نحن نتحدث هنا عن تدفقات نقدية ضخمة تستغرق وقتاً لتتبلور على أرض الواقع. مما يعني ــ تماماً كما حدث مع العملة الخضراء العام الماضي ــ أن وصول السوق لمرحلة “الإنهاك” قد يتأخر. هذا ما يجعل من الصعب رصد القمم والقيعان المعتادة بالأساليب التقليدية.
