لغز تراجع الذهب في ظل تصاعد تدفقات الملاذات الآمنة
من البديهي في خضم الأزمات الجيوسياسية العنيفة أن يتزايد الإقبال على الأصول الآمنة، وهو ما يُترجم تقليدياً إلى قفزات سعرية للمعدن النفيس. ورغم اشتعال فتيل النزاع في الشرق الأوسط، يمضي الذهب نحو تسجيل تراجعات للأسبوع الثاني على التوالي. ويقف المتداولون اليوم بين ترقب لبلوغ القاع السعري لاقتناص فرص الشراء عند التصحيح، وبين قلق من استدامة المسار الهابط، رغم وجود إشارات فنية تلوح في الأفق قد تمنح الذهب قوة دفع جديدة للتحليق مجدداً.
لقد فقدت أسعار المعدن الأصفر قرابة 6% من قيمتها منذ اندلاع العمليات العسكرية، رغم ما تخلل ذلك من تذبذبات لحظية. وبالنظر إلى الارتباط البنيوي للفرنك السويسري بالذهب (حيث يمثل المعدن ربع غطائه الاحتياطي)، فقد سجلت العملة السويسرية أداءً هو الأضعف في سوق الصرف. وعلى النقيض، حقق الدولار الأمريكي قفزة تجاوزت 2.1% خلال الأسبوعين الماضيين، مسجلاً أحد أقوى مكاسبه السنوية، تزامناً مع ارتقاء عوائد سندات الخزانة الأمريكية، مما عزز من جاذبية “العملة الخضراء” كملاذ مفضل وسط الاضطرابات الراهنة.
أبعاد القوة تتجاوز هيمنة الدولار
بما أن الذهب مُسعر بالدولار، فإن قوة الأخير تنعكس آلياً بضغوط نزولية على المعدن؛ بيد أن هذا العامل ليس الوحيد في المعادلة. فالصعود الاستثنائي للدولار يأتي في وقت لا تزال فيه الأسواق تترقب خفضاً للفائدة الفيدرالية هذا العام، بينما بدأت التوقعات تميل نحو رفع الفائدة من قِبل بنك إنجلترا والمركزي الأوروبي. ويمثل هذا تحولاً جذرياً في المشهد مقارنة بما كان عليه قبل أسبوعين، حين كانت التكهنات تصب في صالح تبني البنك المركزي الأوروبي لسياسة نقدية تيسيرية وشيكة.
وتعكس تسعيرات العقود الآجلة حالياً انقساماً حول خفض الفائدة الفيدرالية بنهاية العام، وهو موقف يتسم بالتشدد مقارنة بتوقعات خفضين كاملين قبل أسبوعين فقط. وبما أن العلاقة بين الذهب وأسعار الفائدة عكسية بوضوح، فإن هذا التحول في الرؤية المستقبلية لسياسة الفيدرالي يفسر الجزء الأكبر من الانكسار السعري للمعدن. وهذا يؤكد أنه بعيداً عن التقلبات العارضة المرتبطة بأنباء الحرب، فإن توجهات السوق باتت ترتكز على معطيات نقدية طويلة الأمد.
الحصانة الاقتصادية للدولار
قبل انفجار الأزمة الجيوسياسية، كان المسار العام للدولار يتخذ اتجاهاً نزولياً بفعل الضبابية التجارية، والتي تعمقت مع إطلاق البيت الأبيض لتحقيقات بموجب “البند 301” ضد الصين. كما ساهمت التقييمات المتضخمة لأسهم وول ستريت في دفع المستثمرين للبحث عن فرص خارج السوق الأمريكية، ناهيك عن الضغوط السياسية لخفض الفائدة التي أضعفت “العملة الخضراء”.
إلا أن الولايات المتحدة تتمتع حالياً بعزلة اقتصادية تجعلها بمنأى عن التداعيات المباشرة للحرب، بل وتستفيد من كونها مصدراً صافياً للطاقة. في المقابل، ترزح قوى اقتصادية كأوروبا والصين واليابان تحت وطأة الاعتماد المفرط على الواردات الطاقية التي باتت إمداداتها مهددة. ومع سيطرة واشنطن على نفوذ واسع في النصف الغربي للكرة الأرضية، حيث تقع أضخم احتياطيات النفط في فنزويلا، تعززت مكانة الدولار كملاذ آمن أول، مما وضع الذهب في مركز دفاعي متراجع.
آفاق الانعكاس وفرص التعافي
إن العوامل الهيكلية التي أضعفت الدولار خلال العام الماضي لا تزال قائمة؛ فالنمو الاقتصادي الأمريكي في الربع الأول جاء مخيباً للآمال، كما أن الأسواق لم تستوعب بعد بشكل كامل بيانات التوظيف القاتمة لشهر فبراير نظراً لانشغالها بملف الشرق الأوسط.
وهذا يشير إلى أنه في حال التوصل إلى تهدئة أو تسوية للصراع، قد نشهد انعكاساً سعرياً خاطفاً وواسع النطاق؛ حيث قد يفقد الدولار مكاسبه الأخيرة بسرعة، بينما يستعيد الذهب زخمه لتعويض خسائره. ومع ذلك، فإن إطالة أمد المواجهات العسكرية يقلص من احتمالات الانفراج السريع، مما قد يؤدي إلى مأسسة وترسيخ التوجهات الهبوطية الحالية للذهب في المدى المنظور.
ما الفرص المتاحة لتداول الذهب اليوم؟ افتح حسابك واقتنصها الآن!


