الذهب في السوق الهابطة: أين يقع القاع السعري؟
تواصلت التقلبات الحادة في أسعار المعدن الأصفر خلال تداولات هذا الأسبوع، إذ هوت الأسعار مقتربة من حاجز 4100 دولار يوم الاثنين. قبل أن ترتد صعوداً لتستقر دون مستويات 4500 دولار بقليل. وأمام هذا المشهد المتذبذب، تتباين تساؤلات المتداولين. فبينما يترقب البعض احتمالية استقرار الأسعار عند هذه المستويات مؤقتاً، يساور الشك آخرين حول ما إذا كان هذا التعافي مجرد حركة تصحيحية عابرة أو ما يُعرف بـ “ارتداد القطة الميتة”. فهل لامس الذهب قاعه الفعلي، أم أن مسار الهبوط لا يزال يحمل في طياته المزيد من التراجعات؟
تكبد الذهب خسائر بلغت 20% قياساً بأعلى قمة تاريخية سجلها مؤخراً، ليدخل بذلك رسمياً في نطاق السوق الهابطة. ويُعد هذا التطور استثنائياً ومثيراً للاستغراب بالنسبة لأصل استثماري يُصنف تقليدياً كملاذ آمن للتحوط ضد الأزمات. كتلك التي تعصف بالأسواق حالياً على وقع الصراع الدائر في الشرق الأوسط. فما الذي يجعل المشهد مختلفاً هذه المرة؟ وما هي التداعيات المرتقبة على مستقبل المعدن النفيس؟
زخم صعودي مبالغ فيه
في مطلع العام الجاري، حلقت أسعار الذهب لتلامس مستوى 5594.82 دولاراً. مسجلة بذلك قمتها القياسية الحالية. وجاءت هذه الذروة تتويجاً لمسار صاعد تضاعفت خلاله الأسعار تقريباً على مدار الاثني عشر شهراً الماضية، في أسرع وتيرة نمو يشهدها المعدن منذ أربعين عاماً على الأقل. غير أن هذه المكاسب، وتحديداً في مراحلها الأخيرة، كانت مدفوعة بشكل رئيسي بتدفقات المضاربين الذين أغرتهم الارتفاعات المتتالية التي نجح الذهب في حصدها سابقاً.
بعبارة أخرى، يبدو أن الأسعار قد سجلت قفزات حادة وبوتيرة أسرع من اللازم مطلع العام. وهو ما يفسر دخولها في حركة تصحيحية حتى قبل اندلاع شرارة الحرب. ورغم ذلك، لا ينفي هذا التراجع أن الاتجاه العام للمعدن الأصفر لا يزال يميل نحو الصعود. فالذهب يحتفظ بمكانته الراسخة كأداة تحوط فعالة ضد التضخم. وكل ما في الأمر أن الأسواق قد تمادت قليلاً في تفاؤلها وتسعيرها الإيجابي.
الشراء عند الانخفاض: هل هو قرار صائب؟
إذا كان الذهب يمثل مخزناً موثوقاً للقيمة في أوقات التضخم المرتفع، فلماذا لا يسجل قفزات صعودية الآن وسط المخاوف العارمة من أن تؤدي قفزات أسعار النفط الخام إلى تأجيج الضغوط التضخمية؟ تكمن الإجابة في حالة عدم اليقين التي تكتنف هذا المشهد، في مقابل يقين أكبر يحيط بمسار أسعار الفائدة. ففي الوقت الراهن، بات بإمكان المتداولين توجيه سيولتهم نحو سندات الخزانة التي تقدم عوائد أعلى من ذي قبل. مدفوعة بتوقعات المستثمرين بزيادات مستقبلية في معدلات الفائدة. وبما أن الذهب أصل لا يدر عائداً ثابتاً، فإن الارتفاع الملحوظ في عوائد السندات يسحب البساط من تحت المعدن النفيس ويجعله خياراً أقل جاذبية للمستثمرين من الناحية النسبية.
علاوة على ذلك، تبقى احتمالات انتهاء الحرب قائمة في أي لحظة. وهو ما قد يهوي بأسعار النفط الخام. وبالتالي قد تتلاشى سيناريوهات التضخم، لتصبح حيازة الذهب حينها رهاناً غير مجدٍ استثمارياً. في المقابل، كلما طال أمد الصراع وباتت الضغوط التضخمية أمراً واقعاً لا مفر منه، ستزداد جاذبية ضخ الأموال في الذهب كأداة تحوط مثالية لامتصاص هذه الضغوط. ويكتسب هذا السيناريو زخماً إضافياً في حال استقرت عوائد السندات عند مستوياتها الحالية. خاصة وأنها كانت قد سجلت قفزات استباقية تسعيراً لأسوأ السيناريوهات المحتملة للحرب.
ما هي العوامل الأخرى التي تضغط على الذهب هبوطاً؟
أسفرت موجات البيع المكثفة التي اجتاحت الأسواق، لا سيما في الجلسات الآسيوية، عن حاجة المتداولين الماسة للسيولة النقدية لتعزيز مراكزهم المالية وتغطية محافظهم الاستثمارية. وفي مثل هذه المواقف، يميل المستثمرون عادة إلى تسييل الأصول “الرابحة”. وفي مقدمتها الذهب، الذي لا يزال يحتفظ بمكاسب تتجاوز 80% مقارنة بمستوياته قبل نحو عام. ومن هذا المنطلق، يصبح المعدن الأصفر أكثر عرضة للتراجع وسط أي حركة تصحيحية عامة في السوق، لسبب بسيط يكمن في ارتفاعه الحاد والمستمر على مدار الأشهر الماضية. وبذلك، يجد المتداولون في جني الأرباح من الذهب وغيره من المعادن النفيسة، كالفضة، طوق نجاة لدعم محافظهم وتوفير السيولة اللازمة.
وتبرز المعضلة الحقيقية في تحديد ما إذا كان الذهب قد بلغ قاعه السعري الفعلي. في ارتباط ذلك الوثيق بحجم المخاطر الجيوسياسية المحيطة بالصراع في الشرق الأوسط. وهو أمر ربما يعجز حتى قادة الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عن التنبؤ بمساراته الدقيقة في اللحظة الراهنة. فمن شأن التوصل إلى تسوية سريعة لإنهاء الحرب أن يمهد الطريق لارتداد صعودي سريع في أسعار الذهب. بينما قد يؤدي إطالة أمد الصراع إلى تعافي المعدن تدريجياً بمرور الوقت، بالتزامن مع تسعير الأسواق لمعدلات تضخم أعلى وفي ظل الأداء الضعيف المتوقع لأسواق الأسهم. وحتى تنجلي الرؤية ويترجح أحد هذين السيناريوهين بشكل قاطع، قد تظل أسعار الذهب ترزح تحت وطأة الضغوط وتتقلب في مسارات غير مستقرة.

![Credit Card 160×600 [AR]](https://assets.iorbex.com/blog/wp-content/uploads/2023/06/13144511/Blog-Banner_AR-Banner_160X600x2.webp)
