أحدث التدخل العسكري الأمريكي الإسرائيلي في إيران موجة من الارتباك الشامل في أروقة سوق الصرف الأجنبي (فوركس). ما أدى إلى انقلاب جذري في المسارات الفنية التي هيمنت على التداولات خلال الشهر المنصرم. وبموجب هذا التحول، شهدت الأصول التي تصدرت مشهد المكاسب في فبراير انكساراً حاداً في اتجاهاتها. بينما ضاعفت أصول أخرى من زخمها الصاعد. واللافت في هذا المشهد هو التباين الحاد في سلوك أصول كانت ترتبط تاريخياً بعلاقات طردية. إذ تعيد هذه الحرب حالياً صياغة محددات القيمة وقواعد اللعبة في سوق العملات العالمي.
لقد ساد في فبراير نمط من “التطبيع” السعري، وتحديداً في قطاع المعادن النفيسة. فبعد الطفرة السعرية للذهب والفضة في يناير مدفوعة بطلبات تجزئة صينية مكثفة، وما تبعها من تصحيح تقني وهدوء تزامناً مع عطلة السنة القمرية، عادت الحركة لنصابها المعتدل رغم الحفاظ على الميل الشرائي. وقد تعزز ذلك بتوجه مؤسسي نحو “العزوف عن المخاطرة”. حيث شرع المتداولون في تسييل مراكزهم في أسهم التكنولوجيا ذات التقييمات المتضخمة والبحث عن ملاذات “القيمة”. وهو ما وفر دعماً لليورو إلى حدٍ دفع البنك المركزي الأوروبي للتعبير عن قلقه من تأثيرات القوة المفرطة للعملة على مؤشر أسعار المستهلكين. أما في الأسواق الآسيوية، فقد سجلت الأسهم اليابانية قفزات تاريخية لمؤشر “نيكي” مستفيدة من ضعف الين، قبل أن تتبدل هذه المعطيات كلياً مع قرع طبول الحرب.
تحليل الفجوة السعرية: لماذا تباين أداء الذهب عن الفضة؟
مع اندلاع الشرارة العسكرية في إيران، اندفعت السيولة بشكل غريزي نحو الملاذات التقليدية وفي مقدمتها المعادن الثمينة. وبينما سجل الذهب قفزات سعرية لافتة، أخفقت الفضة في مجاراة هذا الزخم. والسبب الجوهري يعود إلى الثقل الصيني في المعادلة؛ فبينما يُتداول الذهب كمخزن سيادي للقيمة، يرتبط نصف الطلب العالمي على الفضة بالنشاط الصناعي، وتحديداً في قطاع الطاقة المتجددة والألواح الشمسية.
وقد جاءت بيانات مبيعات السيارات الكهربائية لشهر فبراير (التي أُعلن عنها في مارس) دون التوقعات. ما أضعف الطلب الهيكلي المرتبط بقطاعات تحول الطاقة. وبما أن الصين هي القوة المهيمنة إنتاجاً واستهلاكاً في هذا القطاع، والمستورد الأكبر للخام عالمياً، فإن تضرر سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف “الراتنجات” البترولية الداخلة في التصنيع جراء تهديدات مضيق هرمز. هذا الأمر قد أدى لتوقعات بتباطؤ النشاط الصناعي الصيني؛ وهذا بالتبعية قلص من الجاذبية الاستثمارية للفضة كأصل صناعي رغم صبغتها كملاذ آمن.
معضلة الين: ضعف العملة في قلب العاصفة الجيوسياسية
يمثل الين الياباني تاريخياً أحد أهم الملاجئ الوقائية، فضلاً عن كونه العملة الأساسية لعمليات “تجارة العائد” نظراً لتدني أسعار الفائدة. ومع ذلك، دخل الين نفق الضعف منذ فبراير عقب الفوز الكاسح لرئيسة الوزراء “ساناي تاكايتشي”. وهو ما عزز التوقعات بزيادة الإنفاق العام وتوسيع عجز الموازنة.
وقد تعمق هذا التراجع منذ مطلع مارس نتيجة التبعات الطاقية للحرب. إذ تعتمد اليابان بشكل شبه كلي على استيراد احتياجاتها النفطية. ومع اشتعال أسعار الخام، باتت الأسواق تسعر ضغوطاً تضخمية مستوردة قد تقوض الطلب الصناعي المحلي. وقد ترجم مؤشر “نيكي” هذا القلق بتراجعات حادة يوم الثلاثاء. ما يعكس عمليات تخارج واسعة للسيولة الأجنبية وسط شكوك حول قدرة الشركات اليابانية المصدرة على الحفاظ على هوامش ربحها في ظل انفجار تكاليف الإنتاج والطاقة.
اليورو تحت مقصلة “التضخم المستورد” والنمو المهدد
لا يبدو الوضع في منطقة اليورو أفضل حالاً. فقبيل الانزلاق نحو الخيار العسكري، كان المركزي الأوروبي يترقب كبح جماح قوة العملة الموحدة التي هددت بضغوط انكماشية. بينما كان الاقتصاد القاري يبدي تعافياً جاذباً للاستثمارات الخارجة من قطاع التقنية الأمريكي. وكان الرهان قائماً على استفادة اليورو من عملية “تدوير المراكز” نحو القطاعات التقليدية.
لكن واقع الحرب فرض معادلة مغايرة. فاستدامة أسعار النفط عند مستويات مرتفعة كفيلة برفع تكاليف التشغيل في أنحاء القارة. هذا ما يضغط على ربحية الشركات ويؤدي لرفع أسعار المستهلكين بشكل قسري. ورغم أن هذا التضخم قد يستدعي نبرة “تشددية” من المركزي الأوروبي، إلا أن أي اتجاه لرفع الفائدة في ظل تباطؤ اقتصادي سيضع القارة في مواجهة “ركود تضخمي”. وهو سيناريو كفيل بإضعاف اليورو هيكلياً أمام العملات الرئيسية الأخرى. محولاً إياه من ملاذ آمن محتمل إلى ضحية لصراع الطاقة.
