تداعيات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران: منظور أسواق الصرف

تداعيات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران: منظور أسواق الصرف

لا تزال الأسواق العالمية تستوعب ارتدادات الهجوم المشترك الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهو التحرك الذي جاء ضمن النافذة الزمنية التي كانت تترقبها الأوساط الاستخباراتية. وقد سجلت أسعار النفط الخام قفزة سعرية عند الافتتاح، وهو أمر متوقع نظراً لأن الأسواق لم تكن قد سعرت بالكامل مخاطر اندلاع مواجهة عسكرية شاملة. ومع ذلك، بدأت حدة رد الفعل الأولي في التراجع مع شروع المتداولين في تقييم الموقف، وما ساعد في كبح جماح القلق هو انعقاد اجتماع “أوبك+” في موعده المقرّر يوم الأحد، والإعلان عن زيادة في الإنتاج اعتباراً من شهر أبريل المقبل.

وتشهد الأسواق العالمية حالة من التراجع الجماعي اليوم الإثنين مع اندفاع المتداولين نحو الملاذات الآمنة، مما دفع الذهب لتسجيل مستويات صاعدة قوية. كما ارتفعت قيمة الدولار الأمريكي، مما يؤكد بقاءه كأصل احتياطي استراتيجي رغم الحديث المتزايد مؤخراً عن “إلغاء الاعتماد على الدولار”. وفي الوقت ذاته، حقق الفرنك السويسري مكاسب ملموسة. وسيعتمد مسار السوق في الأيام القادمة على تطورات الصراع، وهناك متغيرات جوهرية تستحق التسليط عليها لما لها من أهمية بالغة في تحديد اتجاهات أسواق العملات.

بين “العمليات المستمرة” وفرص التسوية

أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مشاركة بلاده في الهجوم بعد ساعات قليلة من التقارير الأولى عن وقوع انفجارات داخل إيران. وفي خطابه، وصف العملية بأنها ستكون “مستمرة”، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً عن الضربات الجراحية والمحدودة التي شهدناها في يونيو الماضي. ويوم الأحد، أوضح ترامب أن العمليات قد تمتد لأربعة أسابيع، لكنه لمح في الوقت نفسه إلى انفتاحه على إبرام “صفقة” تؤدي لرفع العقوبات عن إيران إذا اتسمت مواقفها بـ “الواقعية”.

وقد أعاد هذا التصريح للأذهان استراتيجية “الضغط الأقصى” في خضم المفاوضات لانتزاع تنازلات كبرى قبل التراجع عن التهديد فور التوصل لاتفاق. وهذا قد يعني احتمالية انتهاء الصراع قبل انقضاء المهلة المحددة. ومن جانب آخر، ذكر ترامب أن مسؤولين إيرانيين يسعون لفتح قنوات اتصال، وهو ما قابله ردود فعل متضاربة ومشوشة من داخل طهران، مما يزيد من ضبابية المشهد السياسي أمام المستثمرين.

معضلة غياب القيادة القادرة على التهدئة

تأكد مقتل المرشد الأعلى الإيراني في الهجوم الأولي، وسط غياب الرؤية حول خليفة مباشر له. ودستورياً، تتولى لجنة ثلاثية الحكم، لكن أحد أعضائها (الرئيس) قضى أيضاً في الهجمات. ومع ظهور أسماء مرشحة للخلافة، أشار ترامب إلى أن بعض الشخصيات التي كان يأمل في التعامل معها ضمن حكومة جديدة قد قُتلت بالفعل. وبينما دعا وزير الخارجية مراراً للحوار، تذبذبت تصريحات رئيس الأمن القومي -المرشح المحتمل للخلافة- بين الدعوة لـ “دبلوماسية واقعية” ثم التراجع بالتأكيد على عدم التفاوض مع واشنطن. لذا، يظل من غير الواضح ما إذا كان هناك طرف في طهران يمتلك السلطة الفعلية لإبرام اتفاق وقف إطلاق نار في هذه المرحلة.

وقد استهدفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية منشآت الرادار ومراكز الاتصالات والقيادة، وهو ما يتسق مع المرحلة الأولى لضمان التفوق الجوي قبل حملة مطولة. وهذا يصعّب على إيران تنسيق ردود أفعالها أو اتخاذ قرار بشأن التفاوض. وبدأت إيران بالفعل بالرد عبر إطلاق صواريخ استهدفت دولاً تستضيف قواعد أمريكية، بل وامتدت الهجمات لتشمل دولاً محايدة. وفي محاولة لإغلاق مضيق هرمز، هاجمت طائرات مسيرة سفناً قبالة سواحل عُمان والإمارات، تزامناً مع هجمات صاروخية من جماعات حليفة، مما أثار مخاوف المحللين من اتساع رقعة الحرب لتصبح صراعاً إقليمياً شاملاً يعطل سلاسل الإمداد العالمية.

آفاق وتوجهات الأسواق القادمة

بما أن العمليات العسكرية لا تزال في مراحلها الأولى، فإن حالة عدم اليقين تسيطر على المشهد. وبمجرد وضوح الرؤية حول مدى اتساع الصراع، قد تبدأ الأسواق في تسعير تداعيات حرب إقليمية تبقي مضيق هرمز مغلقاً لأسابيع. وهناك جانب إضافي يتمثل في “انشغال” الولايات المتحدة بهذا الصراع، مما قد يعقد مساعي الوصول لاتفاق بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث أشارت تقارير إلى رغبة روسيا في التراجع عن محادثات السلام التي كانت ستوفر مزيداً من المعروض النفطي للأسواق العالمية في حال نجاحها.

وتبقى المسألة الجوهرية هي مدى قدرة الحكومة الإيرانية على ترسيخ سلطتها أو مواجهة ثورة شعبية جديدة، خاصة بعد دعوة ترامب للشعب الإيراني لـ “الانتفاض”، وهو ما قد يؤدي لصراع داخلي طويل الأمد يبقي أسعار النفط مرتفعة ويعطل التجارة العالمية. في المقابل، إذا تمكن النظام من تدارك الموقف والتوصل لاتفاق شبيه بـ “النموذج الفنزويلي” (وهو خيار ألمح إليه البيت الأبيض بقوة)، فقد تنخفض أسعار النفط بشكل حاد مع عودة الإمدادات الإيرانية التدريجية للسوق العالمي.

وفي غضون ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط يغذي الضغوط التضخمية، وهو ما قد يقوض التوجه التيسيري للبنك المركزي الأوروبي ويقضي على فرص خفض الفائدة الأمريكية في المدى القريب من قبل الاحتياطي الفيدرالي، بينما سيظل الذهب هو المستفيد الأكبر والمرشح لتسجيل مستويات قياسية تاريخية غير مسبوقة.

افتح حسابك مع أوربكس الآن واختبر استراتيجيتك حول أسعار النفط!

 

ابدأ التداول الان

أو تمرن عبر حساب تجريبي مجاني

التداول على الهامش يحمل درجة عالية من المخاطر