ما قبل العاصفة.. لماذا ينزف الين على أعتاب الانتخابات؟

ما قبل العاصفة.. لماذا ينزف الين على أعتاب الانتخابات؟

يواجه الين الياباني ضغوطاً بيعية حادة هذا الأسبوع، حيث اندفع زوج “الدولار/ين” مجدداً نحو مستويات سعرية كانت في السابق خطاً أحمر استدعى تدخل السلطات النقدية. ورغم أن قوة الدولار الأمريكي عززت هذا المسار، إلا أن المحللين يربطون هذا التراجع بشكل أساسي بالانتخابات المبكرة المرتقبة يوم الأحد؛ فاستطلاعات الرأي تشير إلى فوز كاسح لحزب رئيسة الوزراء “ساناي تاكيتشي”، ما يعزز التوقعات بتنفيذ برنامجها المالي الذي يُنظر إليه كمصدر ضغط أساسي على العملة المحلية.

يجب القول أن هذا المشهد لا يعني بالضرورة حدوث انفجار سعري مفاجئ في تداولات الزوج؛ ففي حال جاءت النتائج متوافقة مع التوقعات، فمن المرجح أن الأسواق قد استوعبت الخبر وأتمت عملية “التسعير” مسبقاً. ومع ذلك، يظل الين عرضة لضغوط مستمرة في المدى المنظور، ونظراً لثقل اليابان النوعي في سوق السندات العالمية، فقد يتجاوز هذا التأثير الحدود المحلية ليشمل عملات رئيسية أخرى، مدفوعاً بالارتفاع العام في الحد الأدنى للعوائد.

أزمة ميزانية في الأفق؟

يعود سبب حالة الضعف التي يواجهها الين إلى مقترحات “تاكيتشي” بتبني برنامج إنفاق حكومي توسعي يتزامن مع إقرار تخفيضات ضريبية، وهو ما يضع اليابان – المثقلة بالأعباء التراكمية لديونها – أمام ضرورة الاقتراض بمعدلات أكبر. ونتيجة لذلك، قفزت عوائد السندات الحكومية اليابانية طويلة الأجل مع تسارع المستثمرين للتخلص من حيازاتهم، مدفوعين بالقلق من قفزات محتملة في أسعار الفائدة لتعويض المخاطر المالية.

وتمتلك اليابان سمعة تاريخية راسخة في الوفاء بالتزاماتها، لذا فإن شبح “التخلف عن السداد” لا يشكل هاجساً حقيقياً للمتداولين. لكن المعضلة الجوهرية تكمن في أن خيارات إدارة دين بهذا الحجم باتت ضيقة للغاية، وجميعها تفضي إلى خسائر للمستثمرين على المدى البعيد؛ فتمويل الإنفاق بالعجز يعني توسيع القاعدة النقدية وتأجيج التضخم، ما يلتهم القيمة الحقيقية للسندات. وإذا استشعر المستثمرون حاجة الحكومة للاقتراض مجدداً لمجرد سداد ديون سابقة، فسيطالبون بـ “علاوة مخاطر” أعلى، ما ينعكس فوراً في صورة ارتفاع حاد للعوائد.

معضلة ذات أبعاد عالمية

تتصدر اليابان قائمة أعلى نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي عالمياً، ما يضعها في مأزق حرج، لكنها ليست معزولة في هذا الإطار؛ فالمشكلة تؤرق الولايات المتحدة التي باتت كلفة فوائد ديونها تتجاوز ميزانية الدفاع، وكذلك القوى الأوروبية التي تجاهد للالتزام بقواعد العجز المالي، ما يلقي بظلاله على استقرار منطقة اليورو ككل.

وعلى مدار عقود، حظيت السندات اليابانية بعوائد منخفضة للغاية بفضل سياسة بنك اليابان في شراء الديون الحكومية، ما أغرق الأسواق بالسيولة وجعل الين الوجهة الأبرز لـ “تداولات الفائدة”. وبما أن طوكيو حافظت على معدلات فائدة متدنية، فقد ساهم ذلك في خفض تكاليف الاقتراض عالمياً عبر آليات “المرابحة”. لذا، فإن أي صعود مفاجئ في العوائد اليابانية نتيجة سياسات “تاكيتشي” لن يظل شأناً محلياً، بل قد يشرع الأبواب أمام أزمة ذات أبعاد عالمية.

هل يرفع “المركزي الياباني” يده عن دور المنقذ؟

يضع هذا المشهد المعقد بنك اليابان في مأزق حقيقي، حيث يواجه تضخماً مرتفعاً ناتجاً عن تدهور قيمة العملة؛ فاليابان تستورد معظم سلعها الأساسية، وكل تراجع في سعر صرف الين يتحول مباشرة إلى أعباء معيشية إضافية على المواطنين. ومع ذلك، لا يملك البنك رفاهية رفع الفائدة بوتيرة سريعة، خوفاً من زعزعة استقرار النظام المالي والتأثير على الملاءة المالية لشركات التأمين والبنوك الكبرى.

إن مقترحات “تاكيتشي” للإنفاق التوسعي ستزيد من حدة الضغوط التضخمية، ما يضاعف العبء على البنك المركزي لرفع الفائدة. وإذا تيقن المستثمرون من وجود ضعف هيكلي في هذا المسار، فقد يتجهون لبيع الين بكثافة، ما قد يهدد قيمة العملة بشكل جدي. والسيناريو الوحيد الذي قد يمنع هذا التدهور هو ألا تحصل “تاكيتشي” على التفويض المطلق الذي تأمله، بحيث تفرض نتائج الانتخابات المتقاربة قيوداً على سياستها المالية المتشددة، ما قد يمنح الين فرصة لالتقاط الأنفاس.

ابدأ التداول الان

أو تمرن عبر حساب تجريبي مجاني

التداول على الهامش يحمل درجة عالية من المخاطر