ودّع الدولار العام الماضي مسجلاً أسوأ أداء سنوي له منذ قرابة العقد، تحت وطأة الهواجس الجيوسياسية المتزايدة. ومع انطلاقة تداولات الإثنين، برزت جبهة ضغوط جديدة باغتت الأسواق وهددت استقرار العملة الخضراء؛ حيث كشفت تقارير إعلامية عن توجيهات من مسؤولين صينيين للمصارف المحلية بضرورة تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية، استناداً إلى مخاوف من حالة التذبذب وعدم اليقين التي تخيّم على السوق الأمريكي.
ولم تكن هذه الأنباء مفاجئة في جوهرها بقدر ما كان توقيتها مثيراً للريبة؛ إذ يسود اعتقاد قديم بأن بكين تتجه لتقليم أظافر استثماراتها في الديون الأمريكية تزامناً مع الخلافات التجارية المستمرة. ومع ذلك، فإن تحول هذه السياسة إلى حيز التنفيذ لم يأخذ طابعاً رسمياً صريحاً من قبل، حيث كان الافتراض السائد أن الصين تحتفظ بـ “ورقة السندات” كأداة ضغط استراتيجية تُشهرها في حالات التصعيد المباشر فقط. وبما أنه لا يوجد حدث سياسي آني يستدعي مثل هذا الإفصاح، فقد غرق المحللون في دوامة من الحيرة حول المحرك الفعلي لهذه الخطوة في هذا التوقيت بالذات.
الصين بدأت بالفعل رحلة التخارج التدريجي من الديون الأمريكية
رغم غياب البيانات الرسمية القاطعة، نقلت وسائل إعلام أن الجهات التنظيمية في الصين “حثت” المؤسسات المصرفية على توخي الحذر حيال زيادة مراكزها في السندات الحكومية الأمريكية جراء التقلبات السوقية. ورغم التوقعات بأن تقوم بعض البنوك بخفض انكشافها فعلياً، إلا أن التوضيحات أشارت إلى أن هذه “التوصية” لم تمس الحيازات السيادية الضخمة التي يديرها بنك الشعب الصيني، والذي لا يزال يتربع كأكبر دائن أجنبي لواشنطن.
تفاعل الدولار فوراً مع هذه الأنباء بالانخفاض، بينما سجلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل ارتفاعاً طفيفاً. ولطالما شكّل احتمال لجوء الصين لعمليات بيع مكثفة كابوساً للأسواق، لما قد يسببه من قفزة في تكاليف الاقتراض واضطراب في النظام المالي العالمي. ومع ذلك، فإن غياب الجداول الزمنية أو الأهداف الكمية الواضحة من قبل الجانب الصيني طمأن المستثمرين نسبياً، معتبرين أن الأمر لا يتعدى كونه فصلاً جديداً في المسار الطويل نحو “إلغاء الارتباط بالدولار”.
من يشتري الدولار في ظل التراجع الصيني؟
بعد أن بلغت حيازات الصين من السندات الأمريكية ذروتها التاريخية عند 1.3 تريليون دولار في 2014، سلكت مساراً نزولياً لتستقر مؤخراً عند 682.6 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، لتأتي الصين في المرتبة الثالثة خلف اليابان والمملكة المتحدة. لكن المحللين يشيرون إلى “خدعة فنية”؛ حيث تعتمد بكين على حسابات حفظ في مراكز مثل بلجيكا، ما يجعل إجمالي حيازاتها يبدو مستقراً عند دمج هذه الحسابات، وكأنها تقوم بـ “تدوير” أموالها عبر قنوات وسيطة لتسهيل نفاذها إلى النظام المالي العالمي بعيداً عن الرصد المباشر.
وفي المقابل، لم يترك هذا التراجع الصيني فراغاً كبيراً؛ إذ سارعت دول مثل النرويج وكندا والمملكة العربية السعودية لرفع استثماراتها بمعدلات أكبر، ما دفع إجمالي الحيازات الأجنبية للديون الأمريكية إلى مستويات قياسية جديدة. ويرى الخبراء أن المشهد الحالي لا يمثل “هروباً جماعياً من الدولار”، بل هو “إعادة توازن للمحافظ” الاستثمارية. فالإجراءات الصينية الأخيرة قد تكون مجرد تشديد للقواعد التنظيمية الداخلية للبنوك، أكثر من كونها سلاحاً مالياً موجهاً لهدم قيمة العملة الخضراء.
هل يتجه الدولار للصعود أم الهبوط؟
ساهمت حالة التخبط في السياسات الأمريكية في إضعاف العملة بشكل ملحوظ؛ فمنذ نحو أسبوعين، بدا أن تصريحات الرئيس “دونالد ترامب” تميل لتأييد دولار ضعيف لتعزيز التنافسية، ما أدى لهبوط حاد في قيمته. ورغم محاولات المسؤولين الأمريكيين لاحقاً تدارك الأمر والتأكيد على دعمهم لدولار قوي، وهو ما ساعد في تعافي العملة مؤقتاً، إلا أن الشكوك لا تزال تراود المتواقين.
في البداية، تنفست الأسواق الصعداء مع تعيين “كيفن وارش” خلفاً لـ “جيروم باول” في رئاسة الفيدرالي، معتبرين ذلك إشارة لالتزام الإدارة بدولار صلب. لكن هذه القناعة بدأت تهتز مؤخراً، ما مفسحاً المجال لضعف الدولار مجدداً، وهو التوجه الذي عززته التسريبات القادمة من بكين. ويبقى الرهان الآن معلقاً على البيانات الاقتصادية المرتقبة نهاية الأسبوع، والتي ستحدد ما إذا كان الدولار يمتلك القوة الكافية للارتداد، أم أن رحلة الهبوط قد بدأت للتو.
