عاد الاحتياطي الفيدرالي إلى واجهة المشهد في أسواق العملات، عقب تطورات لافتة شهدتها نهاية الأسبوع الماضي. فقد جاءت بيانات سوق العمل الأمريكية أقوى من تقديرات الأسواق. هذا ما أدى إلى تراجع واضح في احتمالات خفض أسعار الفائدة على المدى القريب. إلا أن الزخم الحقيقي مع بداية الأسبوع لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل سياسيًا بامتياز، مع تصاعد التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول. وذلك قبيل صدور بيانات اقتصادية محورية قد تعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعلن باول أنه استُدعي من قبل وزارة العدل الأمريكية على خلفية تصريحات أدلى بها أمام الكونغرس في يونيو الماضي. هذه الخطوة فُسّرت على نطاق واسع على أنها محاولة لممارسة ضغوط مباشرة على رئيس البنك المركزي لدفعه نحو تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا. ورغم نفي الرئيس الأمريكي علمه المسبق بالإجراء، فإن المخاوف تتزايد بشأن المساس باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي. وزاد من تعقيد المشهد إعلان رئيس لجنة البنوك في مجلس الشيوخ الجهة المسؤولة عن المصادقة على تعيين رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد عند انتهاء ولاية باول في مايو تعليق النظر في أي ترشيحات. وذلك إلى حين حسم الجدل القانوني القائم.
حذر يسود تحركات الأسواق
هيمنت حالة من الحذر والعزوف عن المخاطرة على أداء الأسواق العالمية، مدفوعة بتشابك عوامل عدة، في مقدمتها تصاعد التوترات الجيوسياسية. ومع ذلك، فإن أي توجه أكثر تشددًا من جانب الاحتياطي الفيدرالي في إدارة السياسة النقدية للدولار بوصفه العملة الاحتياطية الأولى عالميًا من شأنه أن يترك آثارًا عميقة على مختلف فئات الأصول. وتزداد التقديرات بأن الدخول في مسار قانوني طويل مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي قد يؤخر تعيين خلف له. هذا ما قد يُبقي اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة متمسكة بموقفها المتشدد لفترة أطول من المتوقع.
في هذا السياق، دعمت بيانات الوظائف غير الزراعية الرأي القائل بضرورة التريث قبل الإقدام على أي خفض إضافي للفائدة. فقد كان ضعف سوق العمل هو الحجة الرئيسية لتبرير التيسير النقدي في الفترات السابقة. ورغم أن الرقم الرئيسي للوظائف جاء أدنى بقليل من التوقعات. فإن مراجعات البيانات السابقة كشفت عن أرقام أقل مما كان معلنًا. ما أعطى انطباعًا أوليًا بتراجع نسبي في قوة سوق العمل، ودفع الدولار إلى تسجيل تراجع مؤقت.
تفاصيل البيانات تغيّر الصورة
انخفض معدل البطالة إلى 4.4% مقارنة بـ4.6% في القراءة السابقة، مخالفًا توقعات الأسواق التي رجّحت استقراره عند 4.5%. وبعيدًا عن عدد الوظائف المستحدثة وحده، يولي الاحتياطي الفيدرالي أهمية خاصة لمعادلة التوظيف الكامل والسيطرة على الضغوط التضخمية الناتجة عن نمو الأجور. ومع استمرار قوة الأجور وعودة البطالة إلى مستوياتها الهيكلية، تتراجع دوافع خفض أسعار الفائدة في الوقت الحالي. بل إن بعض المحللين بدأوا يرجّحون أن أسعار الفائدة قد تكون بلغت أدنى مستوياتها في هذه الدورة. لا سيما مع توقعات بعودة تركيز الأسواق على التضخم في ظل اقتصاد أمريكي يُظهر قدرًا أكبر من المتانة خلال عام 2026.
ما الذي يتم ترقبه؟
تتجه أنظار الأسواق الآن إلى صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين لشهر ديسمبر يوم الثلاثاء، في ظل ترقب لاحتمالات استمرار الضغوط التضخمية. وتشير التقديرات إلى تراجع طفيف في التضخم العام إلى 2.6% بعد أن كان عند 2.7%. فيما يُتوقع أن يستقر التضخم الأساسي باستثناء الغذاء والطاقة عند 2.6% دون تغيير.
وقبيل صدور البيانات، تراجعت رهانات الأسواق على خفض أسعار الفائدة في اجتماع مارس إلى نحو 28%. وذلك بعد أن كانت تقارب 50% في بداية الأسبوع. وفي حال جاءت بيانات التضخم مستقرة أو أعلى من المتوقع، فقد تعيد الأسواق تسعير توقعاتها بشكل أكثر تشددًا. هذا ما يقلّص احتمالات أي تيسير نقدي قريب. ويُذكر أن مخطط توقعات الاحتياطي الفيدرالي يشير إلى خفض محدود لا يتجاوز 25 نقطة أساس خلال عام 2026. ومع ذلك، ستبقى الأسواق في حالة ترقّب لأي إشارات إضافية على تباطؤ التضخم قد تفتح الباب أمام خطوات تيسيرية لاحقة.
