التضخم في أوروبا يحدّ من تحركات البك المركزي الأوروبي!

التضخم في أوروبا يحدّ من تحركات المركزي الأوروبي!

استهل زوج اليورو مقابل الدولار الأميركي العام الجديد بأداء ضعيف، إذ اتجه منذ الأيام الأولى من يناير نحو المسار الهابط. وجاء هذا التراجع نتيجة تداخل عدة عوامل ضغطت على العملة الأوروبية. إلا أن المرحلة المقبلة قد تمنح البيانات الاقتصادية دورًا أكثر تأثيرًا في توجيه حركة الزوج، في ظل ترقب المستثمرين لمسار الاقتصاد الأوروبي. وتشير التوقعات السائدة إلى أن البنك المركزي الأوروبي سيظل متحفظًا في قراراته طوال معظم العام، وربما حتى نهايته. مما يقلّص من تأثير السياسة النقدية المباشرة، ويجعل الأسواق أكثر حساسية لأي مفاجآت في البيانات الاقتصادية.

في هذا السياق، أظهرت قراءة مؤشر مديري المشتريات لقطاع التصنيع في منطقة اليورو لشهر ديسمبر أداءً أضعف من المتوقع. ما جعلها تسجل أدنى مستوياتها منذ نحو تسعة أشهر. هذه النتائج ألقت بظلال من الشك على السيناريوهات التي كانت تراهن على تحسن النمو الاقتصادي في منطقة اليورو خلال العام الحالي. وهو أحد المرتكزات التي استندت إليها التوقعات بعدم لجوء البنك المركزي الأوروبي إلى خفض إضافي في أسعار الفائدة. وأشار محللون إلى أن تراجع الطلب وتقلص الطلبيات المتراكمة يعكسان حذرًا متزايدًا لدى الشركات. وهو ما قد ينذر بتباطؤ اقتصادي أوسع نطاقًا داخل منطقة اليورو.

عودة محتملة لحالة الاطمئنان

في حال جاءت بيانات التضخم المنتظرة يوم الأربعاء منسجمة مع التوقعات، قد يتعامل السوق مع ضعف مؤشرات مديري المشتريات على أنه استثناء مؤقت. هذا ما يعزز الشعور بأن المسار العام للاقتصاد لا يزال تحت السيطرة. وكان البنك المركزي الأوروبي قد أشار في اجتماعه الأخير إلى أن التضخم والسياسة النقدية يوجدان في وضع مريح نسبيًا. وذلك شريطة بقاء معدل التضخم قريبًا من المستوى المستهدف عند 2%.

وتشير تقديرات المحللين إلى أن معدل التضخم في منطقة اليورو لشهر ديسمبر سيتراجع إلى 2.0% مقارنة بـ2.1% في القراءة السابقة. في حين يُتوقع أن يستقر التضخم الأساسي عند 2.4% دون تغيير. ومع ذلك، يبقى التركيز منصبًا على تضخم قطاع الخدمات، الذي وصفته رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، بأنه مصدر القلق الأبرز خلال الاجتماع الأخير للسياسة النقدية. إذ لا يزال تضخم الخدمات أعلى من المستويات المستهدفة. ومن المرجح أن يشكّل مساره العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان البنك المركزي الأوروبي سيواصل نهجه الحالي أو سيتجه إلى تشديد السياسة للحد من الضغوط السعرية.

نشاط لافت للمركزي الأوروبي خلال عطلة الأعياد

رغم غياب التصريحات العلنية من كبار مسؤولي البنك المركزي الأوروبي منذ ما قبل عطلة عيد الميلاد. وهو ما ترك الأسواق دون إشارات توجيهية جديدة، فإن ذلك لا يعكس حالة من الجمود داخل أروقة البنك. فعلى العكس، شهدت فترة الأعياد سلسلة من التطورات اللافتة التي قد تحمل في طياتها تداعيات غير مباشرة على أداء العملة الأوروبية. في الرابع والعشرين من ديسمبر، منحت المفوضية الأوروبية الضوء الأخضر لمبادرة البنك المركزي الأوروبي الرامية إلى المضي قدمًا في مشروع العملة الرقمية،. غير أن هذا المسار لا يزال يواجه تحديًا تشريعيًا، إذ ينتظر نقاشًا واختبارًا داخل البرلمان الأوروبي.

وفي مطلع يناير، انضمت بلغاريا رسميًا إلى منطقة اليورو، لتصبح أحدث دولة تعتمد العملة الموحدة. وهي خطوة تطرح عدة تساؤلات في ظل الأوضاع الداخلية للبلاد. فقد عاشت الدولة الواقعة في منطقة البلقان حالة من الاضطراب السياسي عقب استقالة الحكومة في منتصف ديسمبر نتيجة احتجاجات واسعة ضد الفساد. ومن المنتظر أن يتوجه الناخبون البلغار إلى صناديق الاقتراع للمرة الثامنة خلال خمس سنوات. وهو ما يضيف بعدًا من عدم اليقين إلى هذا التطور.

إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل المركزي الأوروبي

أعاد انضمام دولة جديدة من أوروبا الشرقية إلى منطقة اليورو فتح النقاش حول تمثيل هذه الدول داخل المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي. والذي ظل تاريخيًا خاضعًا لهيمنة دول أوروبا الغربية منذ إطلاق العملة الموحدة. ورغم التوسع المتزايد لدول الشرق داخل الكتلة، فإن وزنها الاقتصادي لا يزال محدودًا، إذ لا تسهم إلا بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو. ومن شأن تصاعد الأصوات القادمة من أوروبا الشرقية أن يضيف بُعدًا جديدًا إلى معادلة توزيع النفوذ داخل البنك المركزي الأوروبي. وهي معادلة معقدة تحاول الموازنة بين اعتبارات التمثيل الجغرافي، والتنوع، ومصالح الاقتصادات الكبرى والصغرى. ويأتي ذلك في وقت يُنتظر فيه شغل منصب نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي خلال شهر مايو. حيث يقترب انتهاء ولاية الإسباني لويس دي غويندوس، مع تداول اسم البرتغالي ماريو سينتينو كأحد أبرز المرشحين لخلافته.

ويُنظر إلى كل من دي غويندوس وسينتينو على أنهما ينتميان إلى التيار التيسيري، ويمثلان ما يُعرف بـ«الجنوب» الأكثر مرونة في السياسة النقدية. في مقابل «الشمال» الذي يتبنى نهجًا أكثر تشددًا. إلا أن التطورات الأخيرة قد تفرض على المحللين إضافة متغير جديد إلى معادلة التوقعات، يتمثل في «الكتلة الشرقية». التي تُعد أقل تجانسًا من حيث الرؤية والسياسات. ما قد يزيد من تعقيد المشهد داخل أروقة صنع القرار النقدي في فرانكفورت.

حمّل نسختك المجانيّة الآن!

ابدأ التداول الان

أو تمرن عبر حساب تجريبي مجاني

التداول على الهامش يحمل درجة عالية من المخاطر