مكتبة التداول

لماذا يزداد الدولار قوة رغم إغلاق الحكومة الأمريكية؟

0 13
يشهد الاقتصاد الأمريكي أطول فترة إغلاق حكومي في تاريخه، ما يدفع البعض للتساؤل. كيف يمكن أن تبقى الأصول الأمريكية متماسكة، بل وتواصل ارتفاعها، في وقتٍ تعجز فيه الحكومة الفيدرالية عن تمويل مؤسساتها؟ فبينما كان من الطبيعي أن يؤدي هذا الاضطراب السياسي إلى تراجع الأسواق، سجّل مؤشرا الأسهم الأمريكية مستويات قياسية جديدة، وارتفع الدولار أمام أغلب العملات. فما السبب وراء هذه المفارقة؟
حتى الآن، لم تُظهر الأسواق المالية تأثّرًا حقيقيًا بالإغلاق. فمعظم الخدمات الحيوية لا تزال تعمل، والقطاع الخاص يواصل نشاطه بصورة شبه طبيعية. التحدي الرئيسي يتمثل في غياب البيانات الحكومية الرسمية مثل مؤشرات التضخم والناتج المحلي والتوظيف، إذ تُعد هذه الأرقام المرجع الأساسي للمستثمرين وصانعي السياسات على حدّ سواء.
ومع استمرار توقف التمويل الحكومي، من المتوقع أن تتراكم التبعات تدريجيًا. أكثر من مليون موظف فيدرالي ما زالوا يمارسون أعمالهم دون أجور مؤقتة، إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية في واشنطن. كما ظهرت اضطرابات في قطاع الطيران المدني، إذ تسبب نقص العاملين في هيئة الطيران الفيدرالية بتأخير الرحلات وإلغائها، وهو أحد أبرز مظاهر الأزمة الحالية.

كيف تتفاعل الأسواق؟

في الربع الأول من العام، سادت حالة من “البيع على الأصول الأمريكية”، إذ خشي الاقتصاديون أن تؤدي الحرب التجارية إلى تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مقيدة للنشاط الاقتصادي. حينها، تراجع الدولار بأسرع وتيرة منذ سنوات. لكن تلك التوقعات المتشائمة لم تتحقق؛ فالاقتصاد الأمريكي لم يدخل حالة ركود، بل أظهر أداءً أقوى من المتوقع.
تُشير أحدث البيانات رغم محدوديتها بسبب الإغلاق إلى استمرار النشاط الاقتصادي بقوة، إذ تُقدّر أداة “جي دي بي ناو” التابعة للاحتياطي الفيدرالي نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث بنسبة 4.0% على أساس سنوي، ارتفاعًا من 3.8% في الربع السابق. ورغم توقف صدور البيانات الرسمية، فإن مؤشرات القطاع الخاص، لا سيما بيانات التوظيف، جاءت أفضل من التوقعات، ما يدل على أن تأثير الإغلاق لم ينعكس بعد على الاقتصاد الفعلي.

هل سيُبقي الاحتياطي الفيدرالي على سياسته الحالية؟

يستمد الدولار جزءًا من قوّته الراهنة من لهجة الاحتياطي الفيدرالي التي تميل إلى التشديد النسبي. فقبل الاجتماع الأخير، كانت الأسواق تُقدّر احتمال خفض الفائدة في ديسمبر بأكثر من 80%. غير أن تصريحات رئيس الفيدرالي “جيروم باول” خفّضت تلك التوقعات بعدما أشار إلى أن الخفض في الشهر المقبل “ليس مضمونًا بعد”.
وجاءت بيانات الوظائف القوية، إلى جانب استمرار ضغوط الأسعار المرتفعة. وذلك لتدفع المتعاملين إلى إعادة تسعير توقعاتهم، فهبطت احتمالات الخفض إلى نحو 60%.
وفي الوقت ذاته، شهدت الأسواق منذ سبتمبر تحوّلًا واضحًا في تدفقات رؤوس الأموال. فبعدما اتجه المستثمرون في بداية العام نحو الخارج بحثًا عن النمو، عادت التدفقات إلى السوق الأمريكية مدفوعة بأداء أرباح الشركات القوي خلال الربع الثالث، متجاوزةً التقديرات. وأفاد عدد من مديري صناديق التحوط بأن صافي التدفقات أصبح إيجابيًا لصالح الأصول الأمريكية. ما قد يدعم استمرار ارتفاع الدولار إذا تواصل هذا الاتجاه.

متى ينتهي الإغلاق الحكومي؟

على الأرجح، لا يستمد الدولار قوّته من الإغلاق نفسه، بل من العوامل التي ترافقه. فغياب البيانات الرسمية يزيد من حالة الضبابية في الأسواق. وفي مثل هذه الظروف، تميل رؤوس الأموال إلى التوجّه نحو الأصول الأكثر أمانًا، وعلى رأسها الدولار الأمريكي.
لكن مع ذلك، فإن إنهاء الجمود السياسي في واشنطن قد يمنح الأسواق دفعة إضافية ويعزز الثقة مجددًا.
المشكلة تكمن في أن الساسة الأمريكيين يستجيبون عادةً لضغط الرأي العام أكثر مما يستجيبون لمؤشرات السوق. هذا ما يجعل توقيت التوصل إلى اتفاق أمرًا صعب التنبؤ. وحتى الآن، لم تُظهر استطلاعات الرأي تغيّرًا كبيرًا في مواقف الناخبين. وهو العامل الذي سيحدد في النهاية الجهة التي ستتنازل لإقرار الموازنة.
Leave A Reply

Your email address will not be published.