تشهد الولايات المتحدة هذا الأسبوع فترة تداول أقصر من المعتاد بسبب عطلة عيد الشكر ويوم التسوّق “الجمعة السوداء”. وفي العادة، تتصرف الأسواق بشكل مختلف خلال العطل الطويلة؛ فتأثيرها يكون أوضح في سوق الأسهم، لكن سوق العملات بدوره لا يبقى بمنأى عن هذه التغيرات. ومن خلال متابعة الاتجاهات التاريخية، إلى جانب قراءة المخاوف الاقتصادية الحالية، يمكن تكوين صورة أوضح عمّا قد تحمله الأيام المقبلة.
عادةً ما تُعد عطلة عيد الشكر فرصة للمتداولين المؤسسيين الكبار للابتعاد قليلًا عن السوق، وهو ما يؤدي إلى تراجع واضح في السيولة. انخفاض السيولة بطبيعته يضخّم حركة الأسعار، ويجعل تأثير المتداولين الأفراد أكبر من المعتاد. ويميل المتداول الصغير غالبًا إلى التفاؤل، ولهذا نرى ميلًا صعوديًا في سوق الأسهم خلال هذه الفترة. هذا المزاج الإيجابي ينتقل بدوره إلى سوق العملات، حيث تميل “عملات السلع” والأسواق الناشئة إلى التفوق على العملات الآمنة مثل الدولار والين والذهب.
ما حجم تأثير العطلة على الأسواق؟
على مدار السنوات العشر الماضية، ارتفعت الأسهم خلال أسبوع عيد الشكر بمعدل أعلى من المتوسط في سبع مرات من أصل عشر. أي أن السوق لا يكتفي بالصعود فحسب، بل يتحرك بوتيرة أسرع مما اعتاد عليه قبل العطلة. لكن يجب الإشارة إلى أن السوق يميل عادة إلى مواصلة اتجاهه السابق. ففي السنوات التي كانت فيها الأسهم مرتفعة قبل العطلة، استمرت بالصعود خلال الأسبوع نفسه.
وفي السنوات التي سبقها أداء ضعيف، عادة ما استمرت حالة التراجع. أما هذا العام، فقدّم سوق الأسهم أداءً قويًا، مدعومًا بشكل كبير بشركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فمؤشر ستاندرد آند بورز 500 صعد بنحو 12% فيما ارتفع مؤشر ناسداك بحوالي 15%، وكلاهما أعلى من المتوسط التاريخي الذي يقترب من 10% بنهاية نوفمبر. وبالتزامن مع ذلك، فقد الدولار نحو 10% من قيمته منذ بداية العام.
هل تحمل هذه التحركات إشارة لما هو قادم؟
تُعد عطلة نهاية الأسبوع الطويلة فترة مرتفعة المخاطر، إذ يتجه كبار المتداولين إلى تقليل انكشافهم قبل مغادرة مكاتبهم لبضعة أيام. هذا ما قد يفسّر جزءًا من حالة تجنّب المخاطر التي ظهرت الأسبوع الماضي، قبل أن تتراجع لاحقًا.
تاريخيًا، غالبًا ما يُمثّل الأسبوع الذي يسبق عيد الشكر نقطة قاع للأسواق. ليبدأ بعدها الأداء القوي الذي يمتد حتى نهاية العام. ودائمًا ما يأتي ديسمبر في صدارة أشهر السنة من حيث المكاسب، مستفيدًا مما يُعرف بـ “رالي سانتا”. وهذا يعني أنه إذا صدرت هذا الأسبوع بيانات اقتصادية إيجابية، فقد تدخل الأسواق في عدة أسابيع من شهية المخاطرة وارتفاعات متتالية.
ما الذي يجب مراقبته خلال تداولات الجمعة السوداء؟
يُعد يوم الجمعة السوداء، ومعه الإثنين الإلكتروني، من أكثر الفترات حساسية في قطاع التجزئة. فهما يشكلان مؤشرًا مهمًا على قوة الاقتصاد الأميركي وصلابة إنفاق المستهلكين. وإذا جاءت مبيعات التجزئة أقوى من التوقعات، فقد يعيد ذلك الثقة إلى المستثمرين، وهو ما قد يدعم الدولار. أما إذا جاءت الأرقام مخيبة، فقد يؤدي ذلك إلى أداء أضعف للعملة.
ومع دخولنا موسم العطلات هذا العام، تواجه الأسواق كمًا كبيرًا من العوامل المتداخلة، مما قد يجعل مسار الصعود غير مستقيم تمامًا. فخلال الأيام الأخيرة، تجددت الآمال بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيُقدم على خفض الفائدة في ديسمبر، وهو ما عزز شهية المخاطرة. لكن استمرار صعود الذهب في الوقت نفسه يوحي بأن المتداولين يستقبلون هذه الآمال بنوع من التفاؤل الحذر.
