شهدت الأسواق خلال الأيام الماضية تقلبات حادة. حيث تأثرت أزواج العملات بشدة نتيجة التطورات المتسارعة في النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين. وكان الذهب هو الأبرز في هذا المشهد، إذ واصل تسجيل مستويات قياسية جديدة يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فقد انحرف الدولار الأمريكي عن اتجاهه طويل الأجل، كما تأثرت العملات المرتبطة بالسلع بسبب تصاعد التوتر التجاري.
أثار اهتمام الأسواق إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيّته فرض رسوم جمركية بنسبة 100% فوق الرسوم الحالية المفروضة على الواردات الصينية. وقد صدر الإعلان يوم الجمعة، مما أدى إلى تراجع حاد في الأسواق وارتفاع كبير في أسعار الذهب. لكن هذا الحدث لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة ومعقدة من التطورات التي ربما لم تُعطِها الأسواق الاهتمام الكافي. فالعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين تتجه نحو لحظة حاسمة قد تنذر بمزيد من التقلبات خلال الأسابيع المقبلة.
الصدمة لم تكن مفاجِئة
من المهم الإشارة إلى أن أحدث فصول هذه الحرب التجارية تأتي مع اقتراب انتهاء مهلة الهدنة البالغة 90 يوماً التي اتفق عليها الطرفان أثناء محاولتهما التوصل إلى اتفاق تجاري دائم. وتم التوصل إلى هذه الهدنة في 11 أغسطس، غير أن المحللين يرون أن التاريخ الحاسم أقرب من ذلك. إذ من المقرر أن يلتقي الرئيسان الأمريكي والصيني على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في كوريا يومي 26 و27 أكتوبر. وهو موعد يُتوقع أن يُعلن خلاله عن إحراز تقدم ملموس نحو اتفاق تجاري جديد.
وفي هذا السياق، يزور وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الصين لعقد اجتماعات مع نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ. في إطار جولة من المباحثات المكثفة بين كبار المسؤولين من الجانبين. ورغم استمرار المفاوضات، فقد اتخذ كل طرف إجراءات تصعيدية زادت من حدة النزاع التجاري.
أهم التطورات في الحرب التجارية
اختتمت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي تحقيقاً أمنياً وطنياً بشأن الشحن الصيني وقررت فرض غرامات كبيرة على السفن القادمة من الصين والتي ترسو في الموانئ الأمريكية. وردّت الصين بفرض عقوبات على السفن الأمريكية التي تزور موانئها. كما أعلنت بكين برنامجاً جديداً لتراخيص التصدير يهدف إلى تقييد استخدام المعادن الأرضية النادرة في التطبيقات المدنية فقط. وهو ما بدا في البداية كحظر شامل على تصدير هذه المواد الحيوية.
وتُعد المعادن الأرضية النادرة إحدى النقاط الحساسة في المفاوضات التجارية. إذ تسيطر الصين على نحو 90% من الإنتاج العالمي، ويمكنها استخدامها كورقة ضغط في مواجهة الرسوم الأمريكية. وقد جاء تهديد ترامب بفرض رسوم بنسبة 100% كردّ فعل على احتمال فرض قيود صينية على صادرات هذه المعادن. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، بدا أن التوترات بدأت تهدأ قليلاً بعد أن أكدت الصين استمرار صادراتها. بينما خفّف ترامب لهجته قائلاً إنه يريد “مساعدة الصين”، لكنه لم يتراجع عن التهديد بفرض الرسوم.
الأسواق ما زالت قلقة
ارتدت الأسواق يوم الاثنين، لكن الذهب واصل ارتفاعه. هذا ما يشير إلى أن المستثمرين لم يقتنعوا بعد بأن الأزمة في طريقها للحل، وأن المخاطر ما زالت قائمة. ويبدو أن هذا التقييم دقيق، إذ فرضت الصين في وقت متأخر من يوم الاثنين عقوبات على شركات شحن كورية جنوبية مقرها الولايات المتحدة. وذلك في إشارة إلى أن النزاع التجاري يتصاعد مجدداً.
ومع اقتراب المفاوضات من مراحلها النهائية، يرى العديد من المحللين أن كلا الجانبين يستخدمان هذه الإجراءات كوسيلة للضغط وكسب النفوذ في المباحثات. وقد اعتاد ترامب إطلاق تهديدات بفرض رسوم قاسية ثم التراجع عنها بعد تحقيق بعض التنازلات من الجانب الآخر. ومع تمسك كل من واشنطن وبكين بمواقفهما، لا يُستبعد أن يشهد العالم جولة جديدة من التصعيد التجاري قبل اللقاء المرتقب بين ترامب وشي جين بينغ.
