جاءت بيانات الوظائف يوم الجمعة بمثابة مفاجأة قوية للأسواق، لدرجة أنها طغت على الحدث الاقتصادي الأبرز هذا الأسبوع. فقد تغيّرت التوقعات حول ما قد يفعله الاحتياطي الفيدرالي في شهر سبتمبر بشكل جذري، حتى أن بعض العناوين الصحفية تساءلت عمّا إذا كان “لجنة السوق المفتوحة” قد ارتكبت خطأ جسيمًا بعدم خفض أسعار الفائدة الأسبوع الماضي.
ومع ذلك، فإن التحدي الأساسي في سوق العملات ما زال يدور حول آثار الرسوم الجمركية، وهو ما يجعل بيانات التجارة المنتظرة يوم غد ذات أهمية كبيرة للأسواق. لكن يبدو أن المسؤولين – وكذلك الأسواق – ركزوا على المؤشر الخطأ. والسؤال الآن هو: كيف ستتفاعل الأسواق مع البيانات الجديدة؟
تراجع كبير… فهل حان وقت التعافي؟
عقب صدور بيانات الوظائف يوم الجمعة، تراجع الإقبال على المخاطرة بشكل ملحوظ، وأغلقت مؤشرات الأسهم الأمريكية على انخفاض كبير. لكن خلال عطلة نهاية الأسبوع، أُتيح للمستثمرين وقتٌ كافٍ لتحليل البيانات بصورة أعمق، وهو ما دفع الأسواق إلى الارتفاع من جديد، في إشارة إلى عودة شهية المخاطرة. والسؤال المطروح الآن بالنسبة للمتداولين في سوق العملات: هل هذا الاتجاه قابل للاستمرار؟
الرقم الرئيسي في تقرير الوظائف غير الزراعية جاء دون التوقعات، وهو أمر سلبي في العادة. إلا أن المفاجأة كانت في التعديلات التي طالت بيانات الشهرين السابقين، حيث جرى تخفيضها بشكل حاد، ما يعني أن سوق العمل لا يمر بمرحلة ضعف مؤقتة، بل يعيش وضعًا متراجعًا منذ فترة.
هذا السيناريو أعاد إلى الأذهان ما حدث قبل عام تقريبًا، حين أبقى الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير في يوليو 2024، ثم خفضها بمقدار 50 نقطة أساس في سبتمبر، بعد مراجعة بيانات التوظيف السابقة والتي أظهرت إضافة عدد أقل بكثير من الوظائف مما أُعلن في البداية. هذا التشابه في الظروف عزز من توقعات الأسواق بخفض وشيك في أسعار الفائدة.
ما السبب الحقيقي وراء حركة الأسواق؟
خلال مؤتمره الصحفي بعد قرار الفائدة الصادر عن “لجنة السوق المفتوحة” يوم الأربعاء الماضي، تحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بشكل مباشر عن سوق العمل، معتمدًا عليه كمبرر لعدم خفض أسعار الفائدة، حيث وصف سوق الوظائف بأنه مستقر. غير أن البيانات التي صدرت بعد يومين فقط ناقضت هذا التوصيف، وأضعفت الحُجّة الداعية للإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير.
انتقلت الأسواق من تسعير احتمال خفض الفائدة في سبتمبر عند 40% فقط، إلى ما يقرب من 90% حاليًا. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثاني صدرت الأسبوع الماضي وكانت أقوى من المتوقع، كما أن معدل البطالة ارتفع إلى 4.2%، وهو لا يزال منخفضًا تاريخيًا، بل ويمكن اعتباره أدنى من المستوى البنيوي الطبيعي للبطالة. وبالتالي، فإن تقييم باول لسوق العمل لم يُفقد مصداقيته بالكامل.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
في نهاية المطاف، العامل الحاسم هو حركة الأسعار. إذ إن ضعف سوق العمل يعني غالبًا تباطؤ نمو الأجور، ما يُقلّص من الدخل القابل للإنفاق، وبالتالي يعجز المستهلكون عن تحمّل الأسعار المرتفعة، مما يضغط على التضخم نحو الانخفاض. حتى في حال ارتفاع الأسعار بسبب الرسوم الجمركية، فإن غياب الطلب القوي سيؤدي إلى هبوط التضخم، وهو ما يفرض على الاحتياطي الفيدرالي التحرك سريعًا نحو خفض أسعار الفائدة.
أما فيما يتعلق ببيانات التجارة الأمريكية لشهر يونيو، فمن المتوقع أن تُظهر اتساعًا في العجز التجاري رغم الرسوم الجمركية. حيث يُنتظر أن يصل العجز التجاري إلى -71.5 مليار دولار، مقارنة بـ61.4 مليار في الشهر السابق. وتشير التقديرات إلى أن الواردات قد نمت بوتيرة أسرع من الصادرات، رغم ضعف الدولار الأمريكي.
