شهد الجنيه الإسترليني ضغوطاً متواصلة منذ بداية الشهر، مع استعادة الدولار الأمريكي زخمه في ظل إحراز تقدم في مفاوضات التجارة. لكن جزءاً من هذا الضغط يعزى أيضاً إلى هشاشة الوضع الاقتصادي في المملكة المتحدة. فعلى عكس اليورو، لم يتمكن الجنيه من الاستفادة الكاملة من ضعف الدولار. ويُعزى ذلك إلى حالة القلق السائدة بين المتداولين بشأن الوضع المالي البريطاني، حيث إن أي عودة إلى النمو الاقتصادي قد تساهم في تهدئة الأسواق.
عجز كبير في المالية العامة
تشير تقارير إلى أن وزيرة الخزانة البريطانية “راشيل ريفز” تواجه عجزاً يُقدَّر بنحو 20 مليار جنيه إسترليني في المالية العامة أثناء عملها على إعداد ميزانية الخريف. وقد أثار هذا الوضع قلقاً متزايداً في الأسواق، خصوصاً بعد انتشار شائعات مطلع هذا الشهر حول احتمال استقالتها. وعلى الرغم من محاولاتها المتكررة لطمأنة الأسواق بأنها لن تلجأ إلى رفع الضرائب أو زيادة الاقتراض، فإن الخيارات السياسية المتاحة أمامها تتقلص. كما أن الضغوط تتزايد من داخل حزب العمال نفسه للمطالبة بفرض ضرائب جديدة، بما في ذلك ضريبة على الثروة.
العقبات الاقتصادية
تكمن خطورة فرض ضريبة على الثروة في تداعياتها السلبية على ثقة الأسواق، وهو ما يتضح من البيانات الاقتصادية الأخيرة. إذ تشير التوقعات إلى أن الناتج المحلي البريطاني الإجمالي الشهري لشهر مايو سيرتفع بنسبة 0.1% بعد تراجع بلغ -0.3% في أبريل. وكان انكماش أبريل هو الأول منذ ستة أشهر، والأسوأ منذ ما يقارب عامين. وقد أرجع الخبراء أسباب هذا التراجع إلى زيادات ضريبية على التأمين الوطني والدمغات التي دخلت حيز التنفيذ خلال ذلك الشهر. ذلك بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة.
ومع ذلك، فإن مؤشرات مديري المشتريات لشهري مايو ويونيو تشير إلى أن انكماش أبريل كان مؤقتاً. بل إن نشاط قطاع الخدمات في يونيو سجّل أعلى مستوى له منذ عشرة أشهر. وإذا شهد الاقتصاد البريطاني تعافياً فعلياً، فقد يمنح ذلك متنفساً لوزيرة الخزانة. وذلك لأن تسارع وتيرة النمو الاقتصادي يعني زيادة إيرادات الضرائب. مما قد يقلل الحاجة إلى إجراءات مالية تثير مخاوف الأسواق.
بنك إنجلترا يقف مكتوف الأيدي
يُضاف إلى ذلك عامل آخر يزيد من صعوبة الوضع، يتمثل في عدم قدرة بنك إنجلترا على خفض أسعار الفائدة بسبب استمرار التضخم عند مستويات تفوق الهدف المحدد بكثير. ويُعزى ارتفاع التضخم، الذي سُجل أيضاً في أبريل، جزئياً إلى تأثير الزيادات الضريبية. وعلى الرغم من تأكيد محافظ البنك “أندرو بيلي” بأن الاتجاه العام للفائدة يميل إلى الانخفاض. يرى الاقتصاديون أنه من المبكر جداً توقع خفض وشيك للفائدة في ظل هذه الظروف التضخمية.
وعلى الرغم من أن أسعار الفائدة المرتفعة غالباً ما تدعم العملة، فإن غياب النمو الاقتصادي يجعل المستثمرين حذرين من شراء أصول مقوّمة بالجنيه الإسترليني. وبالتالي، وفي غياب إشارات واضحة على تحسن اقتصادي أو تراجع ملموس في التضخم يسمح للبنك بالتحرك. فقد يبقى الجنيه تحت الضغط خلال فصل الصيف، في انتظار ما ستسفر عنه ميزانية الخريف.
ما الخيارات المتاحة؟
في الوقت الراهن، قد يعتمد أداء الجنيه (زوج الجنيه/الدولار) بدرجة أكبر على التطورات في الولايات المتحدة أكثر من تلك داخل المملكة المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أن بريطانيا تُعد واحدة من دولتين فقط نجحتا في توقيع اتفاق تجاري فعلي حتى الآن. وهو ما يمنح الجنيه هامش حماية نسبي من تأثيرات النقاشات الجارية حول الرسوم التجارية.
ورغم حالة الغموض، يتفق معظم الاقتصاديين على أن بنك إنجلترا سيقوم بثلاث عمليات خفض للفائدة خلال النصف الثاني من هذا العام. لكن توقيت هذه التخفيضات لا يزال غير واضح. وقد تؤدي مفاجأة إيجابية في بيانات الناتج المحلي البريطاني الإجمالي إلى تغيير هذه التوقعات كلياً.
