لطالما ساد في سوق العملات الأجنبية خلال الأشهر الماضية أن مؤشر الدولار الامريكي يواصل فقدان زخمه، غير أن الأسبوع الماضي شهد ارتداداً ملحوظاً، رغم أنه لا يزال منخفضاً بنسبة 10% عن أعلى مستوياته لهذا العام، إلا أنه بدأ يتعافى منذ أن سجل أدنى مستوى له في 21 أبريل. والسؤال المطروح الآن: هل هذا مجرد ارتداد مؤقت قبل استئناف التراجع، أم أن الأمور على وشك أن تنقلب لصالح الدولار؟
ما وراء السرد السائد؟
إحدى التحديات في تقييم الاتجاه الحالي للدولار هي ضرورة النظر لما هو أبعد من السرد المتداول. إذ إن ضعف الدولار جاء متزامناً مع تصاعد المخاوف من الحرب التجارية، ما سهّل الربط بين الأمرين. إلا أن تحركات العملة لم تكن متطابقة تماماً مع أحداث فرض الرسوم الجمركية، ما يشير إلى وجود عوامل أخرى تلعب دوراً في توجيه أداء الدولار أمام العملات الرئيسية.
متى بدأ كل شيء؟
بلغ مؤشر الدولار الامريكي ذروته هذا العام في 18 يناير، قبل يومين فقط من تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، وقبل أيام عدة من الإعلان عن أول دفعة من الرسوم الجمركية. وبحلول الوقت الذي فُرضت فيه الرسوم الشاملة المعروفة باسم “رسوم يوم التحرير”، كان المؤشر قد دخل بالفعل المنطقة السالبة، بل وشهد ارتداداً طفيفاً بعدها بأيام قليلة.
كما أن التراجع الحاد في الأسواق، والذي غيّر شهية المستثمرين نحو المخاطرة، لم يتزامن مع إعلان رسوم جمركية، بل حدث بعد نشر الاحتياطي الفيدرالي لتوقعاته السلبية للناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول خلال منتصف فبراير. ومن الجدير بالذكر أن معظم خسائر الدولار تم تسجيلها أمام اليورو، الذي يُعد المكوّن الأكبر في سلة العملات، ما يعكس تدفقات رؤوس الأموال من الولايات المتحدة إلى أوروبا. وقد استمر هذا الاتجاه حتى الأسبوع الماضي.
هل يمكن تجاهل ملف التجارة؟
هذا لا يعني أن التجارة لا علاقة لها بضعف الدولار، ولكن من المرجح أن هناك عوامل أكثر تأثيراً وأقرب زمنياً، وقد تمنحنا مؤشرات أوضح حول اتجاه العملة. فالمخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي الأمريكي تعود إلى القلق من أن الحرب التجارية ستضغط على الاقتصاد المحلي، مما أفقد الدولار دوره التقليدي كملاذ آمن في أوقات الأزمات.
عامل آخر لا يقل أهمية هو ملف الإنفاق. فبينما تبقى سياسات خفض الإنفاق موضوعاً خلافياً في الأوساط السياسية، فإن المتداولين في سوق العملات يتابعون عن كثب مسألة العجز والدين العام. إذ إن الولايات المتحدة تنفق على الفوائد المترتبة على ديونها أكثر مما تنفق على الدفاع، ولا يتفوق على ذلك سوى الإنفاق على الضمان الاجتماعي. ويواجه الكونغرس حالياً تحديات تتعلق بتمرير مشروع قانون إنفاق جديد يتضمن رفع سقف الدين العام لتفادي أزمة تمويل. ورغم أن الوضع لم يصل إلى مرحلة الخطر بعد، فإن مجرد احتمالية عجز الحكومة عن سداد التزاماتها المالية تُلقي بظلال سلبية على أداء الدولار.
لا حلّ سريع في الأفق
حتى لو تم التوصل إلى اتفاق مفاجئ ينهي الحرب التجارية، فإن التداعيات السلبية لا تزال حاضرة. فقد تم إلغاء نحو 60% من شحنات البضائع العابرة للمحيط الهادئ نتيجة الرسوم. وبعض شركات الشحن أوقفت قبول الطلبيات الموجهة إلى الولايات المتحدة بسبب حالة عدم اليقين. ومعنى ذلك أنه في حال التوصل إلى اتفاق، فإن استئناف الأنشطة التجارية قد يتسبب في اختناقات في سلاسل التوريد، مما يرفع الأسعار ويضعف الطلب الاستهلاكي.
ومع استمرار الحرب التجارية، من المرجح أن تتفاقم هذه المشكلات. وتوقعات الاقتصاديين تشير الآن إلى احتمالية دخول الولايات المتحدة في ركود خلال النصف الثاني من العام. وفي غياب أي حل حاسم على الصعيد التجاري، قد يبقى الدولار تحت الضغط، بينما يترقب المتداولون ما ستسفر عنه الأشهر المتبقية من فترة الهدنة التي أُعلن عنها منتصف أبريل.
