يجد بنك اليابان نفسه في موقف بالغ الصعوبة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، ما يجعل من الصعب على الأسواق التنبؤ بخطوته التالية. فهناك قوى متضادة تضغط عليه من اتجاهات متعددة، ويبدو أن مسار السياسة النقدية بات مسألة تقديرية، حيث يعتمد على أي من الاتجاهين ستكون له الغلبة. ومع ذلك، قد توفر بيانات الجمعة المرتقبة بعض الوضوح حول من يملك اليد العليا.
اليابان بين التضخم والانكماش التقني
تتعامل اليابان مع تضخم مرتفع منذ فترة، وأضيف إلى ذلك الآن ربع سنة من النمو السلبي. وما يثير القلق بشكل خاص هو أن هذا الانكماش حدث حتى قبل دخول الرسوم الجمركية الكبرى حيز التنفيذ مع بداية الربع الثاني، ما يعني أن البلاد ربما دخلت في حالة ركود فني مع بداية العام الجاري.
أي مسار ينبغي اتخاذه؟
في الوضع الطبيعي، يتحرك كل من التضخم والنمو الاقتصادي بشكل متوازٍ، ما يسمح للبنك المركزي إما بدعم الاقتصاد لرفع التضخم نحو المستهدف، أو برفع أسعار الفائدة لكبح التضخم وإبطاء النمو. غير أن الجمع بين النمو الضعيف والتضخم المرتفع أي “الركود التضخمي” يجبر البنك المركزي على الاختيار بين أولوية الاستقرار السعري أو دعم النمو.
وبالنظر إلى أن تفويض بنك اليابان يتمحور حول استقرار الأسعار، فإن المنطق يقول إنه يجب عليه إعطاء الأولوية لمحاربة التضخم. لكن هناك فجوة زمنية بين تنفيذ السياسات النقدية وتأثيرها الفعلي على معدلات التضخم، وهذه الفترة غالبًا ما تُقاس بعدة أشهر. وهذا ما يضع البنك المركزي في مواجهة خطر التشديد المفرط الذي قد يؤدي إلى انخفاض التضخم عن المستهدف، وفي هذه الحالة سيتحمل البنك مسؤولية الركود كذلك.
خصوصية الموقف الياباني
شهدت اليابان عقودًا من النمو البطيء، وحتى في مرحلة التعافي السريع بعد الجائحة لم يشهد اقتصادها حالة من “السخونة” كما حدث في اقتصادات أخرى. ولهذا، أبقى بنك اليابان على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة، بينما كانت بقية البنوك المركزية ترفعها. وقد أدى ذلك إلى تراجع الين الياباني وعودة نشاط التداول في أسواق العملات، ما ساهم في تسارع التضخم.
ومع التهديدات التي تمثلها الرسوم الجمركية على اقتصاد اليابان المعتمد على التصدير، بدأت أدوات السياسة النقدية تتقلص أمام بنك اليابان.
أحد الخيارات المتاحة والذي أثبت فعاليته سابقًا هو محاولة إقناع السوق بأنه سيرفع أسعار الفائدة دون أن يفعل ذلك فعليًا. هذا التوجه يمكن أن يسهم في كبح التضخم دون التأثير سلبًا على الاقتصاد. وربما يفسر هذا سبب تحدث العديد من مسؤولي البنك، بقيادة المحافظ كازو أويدا، بثقة عن احتمالية رفع الفائدة في المستقبل القريب، في حين تتبع بنوك مركزية أخرى نهج الغموض، مبرّرة ذلك بعدم اليقين الناجم عن التوترات التجارية.
ما تشير إليه البيانات
يتوقع خبراء الاقتصاد أن رفع الفائدة قد يتحقق، ولكن ليس قبل الربع الأخير من العام. ومع ذلك، فإن بنك اليابان استنفد تقريبًا كل ما يمكن قوله من رسائل تشدد لفظي. وهذا يعني أنه إذا استمر التضخم في الارتفاع، فقد لا يكون أمامه خيار سوى التحرك ورفع الفائدة في وقت أبكر مما تتوقعه الأسواق.
ومن المتوقع أن يسجل معدل التضخم في أبريل ارتفاعًا طفيفًا إلى 3.7% مقابل 3.6% في الشهر السابق وهو أعلى مستوى منذ منتصف عام 2023 ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية. في المقابل، يُتوقع أن يظل ما يسمى بـ”معدل التضخم الأساسي الأساسي” الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة مستقرًا عند 2.9%.
