يبدو أن الأسواق ومعظم الاقتصاديين متفقون على نطاق واسع على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيُبقي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه يوم الأربعاء. هذا السيناريو كان مرجحًا لفترة طويلة، لكن تقرير الوظائف القوي الذي صدر يوم الجمعة أضفى بُعدًا جديدًا على النقاش. ورغم قوة البيانات، فإن رد فعل الدولار الباهت يعكس المزاج العام في الأسواق. حيث أصبحت الأخبار الجيدة تعني أخبارًا سيئة من منظور السياسة النقدية.
حتى يوم الجمعة الماضي، كانت التوقعات تشير إلى أن الفيدرالي سيثبت سعر الفائدة هذا الأسبوع، على أن يبدأ دورة التيسير النقدي في يونيو. لكن الفيدرالي عادةً ما يُمهد لتحول كبير في السياسة النقدية عبر إشارات واضحة مسبقة. هذا ما جعل المحللين يترقبون هذا الاجتماع بعناية بحثًا عن أي تلميحات. ومع تغيّر نبرة السوق مؤخرًا، أصبح من المرجّح أن يكرر باول لهجة “الصبر والترقب”. مما يفتح الباب أمام تثبيت أطول للفائدة خلال الأشهر المقبلة.
حينما تصبح الأخبار الجيدة مصدر قلق
غالبًا ما تتصرف الأسواق بطريقة تبدو غير منطقية حين يتعلق الأمر بقرارات الفيدرالي. فحين تتدهور المؤشرات الاقتصادية، تبدأ التوقعات بتيسير السياسة النقدية، وهو أمر يدعم شهية المخاطرة في الأسواق. أما في حال جاءت البيانات الاقتصادية أقوى من المتوقع، فإنها قد تعني أن الفيدرالي سيبقي على التشديد النقدي لفترة أطول، وهو ما يثقل كاهل الأصول الخطرة.
هذا ما يفسر التحركات المفاجئة في السوق الأسبوع الماضي. فقد تفاعلت الأسواق إيجابًا مع بيانات الناتج المحلي الإجمالي الضعيفة، إذ عززت التوقعات بخفض قريب للفائدة. لكن بعد صدور تقرير التوظيف الإيجابي، لم تُظهر الأسواق حماسًا يُذكر. إذ اتجهت بعض رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب.
قراءة في سلوك السوق
ما يعقد المشهد هو تداخل عوامل سياسية واقتصادية. فالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان قد لوّح مرارًا بعزله لرئيس الفيدرالي جيروم باول، قبل أن يتراجع عن ذلك في تصريحاته الأخيرة. في الوقت نفسه، واصل ترامب دعواته لخفض أسعار الفائدة. هذا الأمر يعكس الضغوط السياسية المتزايدة على الفيدرالي، خاصة في ظل تباطؤ النمو وتصاعد تأثير الحرب التجارية.
ولم تكن هذه الضغوط سياسية فحسب، إذ انضمت اتحادات صناعية ومؤسسات كبرى إلى الدعوة لخفض الفائدة، مشيرة إلى التحديات التي تواجهها في ظل بيئة تجارية مشحونة. وفي الوقت الذي تبقى فيه معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة، يُدرك الفيدرالي أن السياسة النقدية تعمل بتأخر زمني. وأن التباطؤ في اتخاذ القرار قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي يصعب كبحه لاحقًا.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
منذ الاجتماع الأخير، حافظ باول على خطابه الحذر، مؤكدًا أن التعريفات الجمركية تُشكل خطرًا مزدوجًا: ضغطًا صعوديًا على التضخم، وضغطًا نزوليًا على النمو. حتى الآن، لا تتوفر بيانات كافية لقياس الحجم الحقيقي لهذين الأثرين، ما يدفع الفيدرالي إلى التريث في قراراته.
الحدث الأبرز في هذا الأسبوع سيكون المؤتمر الصحفي الذي يعقب قرار الفائدة. ومن غير المرجح أن يحمل البيان الرسمي تغييرات كبيرة، لكن أي نبرة حذرة أو تلميح من باول بشأن احتمالية انخفاض التضخم دون المستوى المستهدف، قد يعيد إشعال رهانات السوق على خفض الفائدة في يونيو. ومع ذلك، تُشير العقود الآجلة حاليًا إلى أن احتمالية هذا السيناريو لا تتجاوز 30%.
